مرآة الروح // بقلم أ : د. محمد شعوفي
مرآة الروح: في سكون المحطات المتقدمة من العمر، ينهمر الوعي كأنه غيث متأخر يعيد ترتيب ملامح الروح. حينها، ندرك أن الزمن ليس مجرد تعاقبٍ بارد للأيام، بل هو الدرب الأكبر الذي تتكشف فيه حقيقة الإنسان لنفسه. وكلما امتد بنا الطريق، لفحتنا الأسئلة الوجودية الأكثر عمقًا؛ وهي لا تطرق أبوابنا مرة واحدة لتمضي، بل تعود في صورٍ شتى، تحمل في كل عودة وعيًا جديدًا، وتدعونا لقفزة جريئة نحو ذواتنا بعيونٍ غسلها النضج. أكتب هذه السطور لا لأستعرض محطاتٍ مضت، بل لأفتح نافذةً سرية على الأعماق، أطل منها على ذلك الإنسان الذي تشكّل بصمتٍ بين مطارق الإخفاق وسندان النجاح، وبين فرحٍ يمر كالفراشة وألمٍ يقيم كالجبال. فما كانت رحلة العمر، في جوهرها الصافي، إلا هجرةً مستمرة نحو الداخل، حيث كل خطوةٍ تسقط قناعًا وتكشف وجهًا حقيقيًا لم أكن أعرفه. إن الزمن مرآةٌ مصقولة تعكس ما نخشى مواجهته في أنفسنا قبل ما نتجمل به أمام الناس، وكل عبورٍ فيها يترك أثرًا لا يُمحى، وإن غاب عن العين ظل حاضرًا في الروح. وفي كل منعطف، تعود الأسئلة ذاتها ولكن بنبرة أشد حكمة، وكأن الحياة لا تبحث عن إجاباتٍ...