سُموّ الفِطرة في صمتِ الخلواتِ، حين تخفتُ أصواتُ العالمِ، وتتراجعُ ضوضاءُ الخارجِ، وتنزاحُ عن الروحِ بعضُ حُجُبِ الزيفِ، أقفُ وحدي أمامَ مرآةِ نفسي، لا لأحاسبَ الآخرينَ، بل لأراجعَ بصدقٍ حصيلةَ ما قدّمتُ، وما الذي كنتُ أرجوه في أعماقي من وراءِ ذلك العطاءِ. ولأطرحَ على نفسي سؤالاً لا مجاملةَ فيه: هل كان عطائي خالصاً لوجهِ الخيرِ والجمالِ، أم كنتُ أرقبُ في خفاءٍ ردَّ الفعلِ، وأنتظرُ كلمةَ شكرٍ، أو ابتسامةَ امتنانٍ، أو إشارةً تُشعرني بأنّ ما فعلتُه قد وصلَ إلى قلبِ من قصدتُه؟ أكتبُ هذه الكلماتِ وأنا أُمسكُ بنورِ اليقينِ، لا لأدّعي بلوغَ الكمالِ، بل لأُحرّرَ قلبي من أوهامِ المقابلةِ، وأُذكّرَ نفسي قبلَ غيري بأنّ العطاءَ الحقيقيَّ ليس صفقةً تُبرَمُ مع الناسِ، ولا ديناً يُنتظرُ سداده، ولا معروفاً يُستردُّ بالامتنانِ. فكلّما كان العطاءُ مشروطاً بما سيعودُ إليَّ، تحوّلَ في خفاءٍ من فضيلةٍ إلى انتظارٍ، ومن رحمةٍ إلى حسابٍ لا أشعرُ به إلا حين يتأخرُ المقابلُ أو يغيبُ. نعم، لن أنكرَ أنّني ضعفتُ يوماً. انتظرتُ كلمةَ شكرٍ لم تأتِ، وراقبتُ بابَ الردِّ طويلاً ...