مرآة الذات: في أفقٍ يلف الجبال بضباب الرحمة، وتحت شمسٍ تميل إلى الغروب كأنها تودّع يوماً آخر من أيام الخطأ البشري، جلست وحدي أتأمل البعيد. ولم تمض لحظات حتى لمح بصري طائرة تشق السماء في صمت، تمضي مسرعة، فلا تترك وراءها أثراً يبقى، ولا خطاً يدوم. وفي تلك اللحظة التي سكنت فيها الضوضاء، شعرت بحزن خفي لم أفهم سببه للوهلة الأولى. فلماذا نتعجل في الحكم على الآخرين ونتغافل عن أخطائنا؟ ثم أدركت: ليس أخطر ما يفسد العلاقات بين الناس وقوعُ الخطأ، فذلك من طبيعة البشر، وإنما الأخطر أن نختزل الإنسان في خطئه، وأن جعل من لحظة عابرة حكماً دائماً، ومن زلة واحدة تعريفاً كاملاً لشخصه. كتلك الطائرة تماماً، رأيتُ في عبورها صورة صادقة لما نفعله حين نصدر أحكامنا؛ نمرّ سريعاً فوق حياة إنسان، ثم نمضي كما مضت، غير ملتفتين إلى أن كلماتنا قد تظل ندبةً في قلب من حكمنا عليه، بينما ننساها نحن بعد لحظات. وكثيراً ما أردد في نفسي أن أقسى الأحكام التي نطلقها على الآخرين قد تكون، في حقيقتها، إدانةً لأنفسنا قبل أن تكون إدانةً لهم. فالعين لا ترى في الآخرين إلا بقدر ما يسكنها من صفاء أو يعكرها من عتمة. وكم م...