ما لا تبتاعه الخزائن:..د. محمد شعوفي
ما لا تبتاعه الخزائن: في زمنٍ تزاحمت فيه الأصوات، واختُزل فيه قدر الإنسان بما يملك، وتراجعت القيم خلف واجهاتٍ برّاقة من الاستهلاك والتباهي، وجدتني أتساءل عن الميزان الخفي الذي نزن به قيمة وجودنا، وعن معنى الغنى الذي يستحق أن نمضي العمر في طلبه. شعرتُ بضجيج العالم يخترق مسامعي، وبأن السباق المحموم نحو الشكليات يزداد اتساعاً وشراسة، فآثرتُ أن أبتعد قليلاً، وأن أخلوَ إلى ذاتي في لحظة استراحةٍ محاربة. علّي أجد في هدوئها جواباً عن أسئلةٍ لم تستطع ضوضاء الحياة أن تجيب عنها. وقفتُ ذات يومٍ متأملاً في مرآة نفسي، وسألتها بصدق: هل أنا غنيٌّ حقاً بما أحرزته من شهاداتٍ وأرصدة، وما جمعته من إنجازاتٍ ومظاهر نجاح؟ أم أن هناك ثروةً أخرى أفلتت من عدّاد الحسابات، واستقرت في أعماقٍ لا تصل إليها أعين السائلين؟ أيقنتُ حينها أن الثراء الحقيقي لا ينزل من علوٍّ كي نلتقطه، ولا يُقاس بما تتسع له الخزائن، بل ينبع كما ينبع الماء من صخرٍ صامت، من قرارة الروح حين تختار أن تكون سيدةً لإرادتها، لا عبدةً لما يعتقده الناس ثمناً للنجاح. فكم من إنسانٍ يملك المال الكثير، لكنه يعيش فقيراً...