الطريق إلى دمشق يمرّ من حبراص...أحمد عبيدات
الطريق إلى دمشق يمرّ من حبراص
قالوا في دمشق
في غرفةٍ عالية السقف
تتدلّى فيها قناديل الزيت
وتتشابك فيها أسماء المدن
قالوا همسًا ثم جهرًا
إن العلم
حين يفيض
يأتي من حبراص
كما يأتي الزيت من الكفارات
وحبراص
ليست قريةً عابرة
هي قبضة يدٍ صغيرة
لكنها حين تُفتح
تخرج منها كتب
وأصوات شيوخ
وخطوات طلبة
يمشون بين القرى
يحملون الحبر بدل القمح
في الصباح
كان الجامع الكبير يستيقظ قبل الناس
وكانت المئذنة
ترفع صوتها
لا لتدعو للصلاة فقط
بل لتوقظ الضمائر
وتقول
هنا يُقرأ
هنا يُجادل
هنا يُخطئ طالب
ويصيب آخر
خرج إبراهيم
ابن موسى
من حبراص
شابًا نحيلًا
وفي قلبه مذهب
وفي يده لغة
مشى إلى دمشق
ثم إلى القاهرة
ولم يكن يحمل تصريحًا
ولا ختمًا
بل علمًا
فتح له الأبواب
وخلفه
كان أخوه محمد
يرتب الأحاديث
كما تُرتّب سنابل القمح
حديثًا حديثًا
سندًا سندًا
في زمن
كانوا يحترمون فيه السند
وفي الدواوين
كان هناك من يكتب
من حبراص أيضًا
يرسم الكلمات
لا ليُجمّل السلطة
بل ليمنح اللغة شرفها
ورسائل
خرجت من القرية
أكثر صدقًا
من السيوف
وحبراص
كانت تسمع كل ذلك
ولا تتباهى
كانت تزرع
وتعلّم
وتفتح أبواب جامعها
دون حراسة
أما المئذنة
فقد هُدمت
لا بزلزال
ولا بحرب
بل ببلادة
بأيدٍ لا تعرف
ما الذي تهدمه
سقط الحجر
وسقط معه
امتحان الوعي
هدموها
وكأنها حجر زائد
وكأن الذاكرة
بندٌ يمكن شطبه
وكأن التاريخ
عائق أمام الإسمنت
لكنهم
لم يهدموا
ما كان يُقال تحتها
ولا الطرق التي خرجت منها
ولا أسماء
عبرت إلى دمشق
ثم إلى القاهرة
ثم عادت
كحكايات
وحبراص
ما زالت صغيرة
لكنها تعرف
أن الجريمة الحقيقية
ليست في هدم مئذنة
بل في هدم المعنى
دون خجل
بقلم أحمد عبيدات
تعليقات
إرسال تعليق