خلف ستائر الملامح..د. محمد شعوفي

 خلف ستائر الملامح


حين تتكلم الملامح بصمتها، تكشف لنا وجهاً آخر للحقيقة، وجهاً لا يراه العابرون على عجل.  

في هذا العالم الذي يضج بالصخب والزيف، تعلمتُ بعد سنوات من العثرات والنهوض أن الحقيقة لا تُهدي نفسها بسهولة، بل تختبئ بوقار خلف ستار من الصمت والتشققات.  

لم يعد يغريني البريق الزائف، ولا الوجوه المصقولة التي تعكس الضوء كالمرآة لكنها تفتقر للدفء.  

إنني اليوم أنظر بعين من خبر المسافات، فأبصر ما وراء القشور التي يمر عليها الآخرون كراماً.  

فهل كل ما يلمع في حياتنا ذهب خالص؟  

وهل صار أثر الزمن على الوجوه عيباً يُستتر منه؟  

لقد أدركتُ أن المظهر هو أكثر الأوهام رسوخاً، نُنمقها لنخدع بها أنفسنا قبل الآخرين.  

نحن نسلم مفاتيح ثقتنا لمن يتقن فن الظهور، بينما نتوجس من أولئك الذين حفرت الحياة أخاديدها على ملامحهم.  

ومع ذلك، فإن الأرواح الأكثر انكساراً هي غالباً الأكثر قدرة على الحب الصادق، والاحترام العميق، والحماية بلا تردد.  

أراهم في كل زاوية:  

ملائكة وجوههم موشومة بالندوب.  

قد لا يسرّك مرآهم للوهلة الأولى؛ فهم متعبون، حذرون، وصمتهم ثقيل كأنه يحمل أثقال دهور.  

لكن تلك الندوب ليست أوسمة هزيمة، بل هي ندوب الانتصار الصامت في معارك لم يشهدها أحد.  

لقد ذاقوا مرارة الخذلان وبرد الوحدة، وبدلاً من أن تتحول جراحهم إلى سموم ينفثونها في وجه العالم، اختاروا مرتبة الإحسان أن يظلوا بشراً؛ يتألمون في صمت، ويُعطون بفيض.  

هؤلاء هم حراس الخير الواعي، الذين يحبون بحكمة لا بخوف، ويقدمون حضوراً عارياً من الأقنعة.  

فكل ندبة فيهم هي حكاية بقاء كتبت في ليالٍ لم يشهدها سوى ضوء القمر.  

في الطفولة، كانت الملامح كتاباً مفتوحاً لا يعرف التزييف.  

هناك، كان الصدق هو اللغة الوحيدة، والابتسامة وعداً لا يخون.  

لكن مع الزمن، بدأت الأقنعة تُخاط على وجوهنا، وبدأت الندوب تكتب تاريخاً آخر.  

كما تحتفظ الأرض بندوبها في الصخور وجذوع الأشجار، تحتفظ الوجوه بندوبها كعلامة حياة.  

الطبيعة تعلمنا أن الجرح ليس نهاية، بل هو أثرٌ يروي قصة صمود أمام الرياح والعواصف.  

فالجمال لا يكتمل إلا حين يجاور الندبة، كما لا يكتمل النهار إلا حين يعانق الليل.  

الزمن لا يرحم الملامح، لكنه يمنحها هيبة الحكمة.  

كل خط على الوجه هو سطر في كتاب العمر، وكل ندبة هي فصل من رواية البقاء.  

الزمن يفضح الأقنعة، ويترك الحقيقة وحدها لتواجه العيون.  

وفي المقابل، أدركتُ بحسرة أن ثمة وحوشاً تتقن التخفي خلف أقنعة ودودة.  

ابتساماتهم دافئة كالشمس، وكلماتهم عسل مصفى، وحضورهم يمنحك طمأنينة كاذبة.  

يجيدون العزف على أوتار الثقة، لكن خلف هذا السحر تكمن أنانية باردة وتلاعب مدروس.  

يؤذون بلا ضجيج، ويهدمون الروح بلا أثر مرئي، ثم يرحلون تاركين خلفهم حطاماً من الثقة المهدورة.  

سلاحهم الأشد فتكاً ليس القسوة، بل الوهم الذي ينسجونه ببراعة حول ضحاياهم.

لذلك، أدعوني وإياكم إلى ثورة على معاييرنا السطحية.  

لا تصدقوا اللمعان وحده، ولا ترفضوا الندبة لأنها صريحة.  

انظروا دائماً إلى العينين:  

هل تشعان بصدق الحقيقة 

أم ببريق التمثيل؟  

وإلى الصمت:  

هل هو فراغ الموت أم هيبة الحكمة المتراكمة؟  

وإلى الفعل:  

هل يلملم الشتات 

أم يمزق ما بقي من أمل؟ 

في ختام الرحلة، تبقى الحياة مدرسة قاسية لكنها تمنح الشهادات لمن يستحق.  

من يخرج منها بقلب سليم وروح نقية، هو من دفع ضريبة الجروح والدموع بكل رضا.  

أما من استهلك عمره في تجميل الواجهة وإخفاء الصدوع، فقد ينال التصفيق المؤقت، لكنه يخسر جوهره الإنساني.  

فلنكن نحن البصراء الذين يلمحون النور تحت الندوب، ويحذرون الظلمة التي تختبئ خلف الابتسامات المصطنعة.  

ففي زمن السطحية، يبقى العمق هو الملاذ الوحيد للحقيقة والأمان.  

فلنبحث عن الإنسان خلف الملامح، حيث يظل الصدق هو العلامة الوحيدة التي لا يبهت بريقها.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

31 يناير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود