فنّ الاحتواء: حين يكون الحضور شفاءً...أ. ورود نبيل

 فنّ الاحتواء: حين يكون الحضور شفاءً

في عالمٍ تتسارع فيه الإيقاعات، وتكثر فيه الأصوات، ويقلّ فيه الإصغاء الحقيقي، يبرز فنّ الاحتواء كقيمة إنسانية عميقة، لا تُدرَّس في المناهج، ولا تُقاس بالإنجازات، لكنها تُغيّر النفوس وتُرمّم القلوب، الاحتواء ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل موقف أخلاقي، وحالة وعي، وقدرة نادرة على أن تكون "مساحة أمان" لغيرك دون أن تطلب منه أن يتغيّر.


أولًا: ما هو فنّ الاحتواء؟


الاحتواء هو القدرة على استقبال مشاعر الآخر كما هي، دون إنكار، أو تقليل، أو إصدار أحكام،

أن تسمع الحزن دون أن تستعجله بالحلول،

وأن ترى الضعف دون أن تُحرج صاحبه،

وأن تحيط الإنسان بطمأنينة تجعله يشعر أنه مقبول، حتى في أسوأ حالاته.


الاحتواء ليس شفقة، ولا تبريرًا للأخطاء، ولا ذوبانًا في الآخر؛ بل هو توازن دقيق بين التعاطف والوعي، وبين القرب والحدود.


ثانيًا: لماذا نحتاج إلى فنّ الاحتواء؟


لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى نصيحة، بل إلى من يفهمه، ولا يحتاج إلى من "يصلحه"، بل إلى من يقف إلى جانبه حتى ينهض بنفسه.


الاحتواء:


يخفف التوتر النفسي ويمنح شعورًا بالأمان.

يعزز الثقة في العلاقات الإنسانية.

يقلل من النزاعات وسوء الفهم.

يُنمّي الذكاء العاطفي لدى الفرد والمجتمع.


في كثير من الأحيان، كلمة محتوية أو صمت صادق، تكون أكثر أثرًا من ألف حلٍّ منطقي.


ثالثًا: الاحتواء في العلاقات الإنسانية


1. الاحتواء في الأسرة


في الأسرة، يظهر الاحتواء في الإصغاء للأبناء دون سخرية، وفي تفهّم تقلباتهم، وفي احتضان مشاعرهم قبل تقويم سلوكهم، الأب أو الأم المحتويان لا يلغيان الحدود، لكنهما يقدّمان الحب قبل التوجيه.


2. الاحتواء في الصداقة


الصديق المحتوي لا ينافسك في الألم، ولا يُقارن وجعك بوجعه، ولا يختفي حين تثقل،

هو من يقول: "أنا هنا"،  دون شروط.


3. الاحتواء في العمل


في بيئة العمل، الاحتواء يظهر في احترام الضغوط الإنسانية، وفي التفريق بين الخطأ وصاحبه، وفي القيادة الرحيمة التي تفهم أن الإنتاجية لا تنفصل عن الصحة النفسية.


رابعًا: صفات الشخص المحتوي


الشخص المحتوي غالبًا يتميّز بـ:


الإصغاء العميق: يسمع ليفهم، لا ليرد.

الهدوء الانفعالي: لا ينجرف مع الفوضى العاطفية.

التعاطف الواعي: يشعر معك دون أن يغرق فيك.

احترام الحدود: لا يفرض نفسه، ولا يقتحم الخصوصية.

الصدق: لا يُجمّل الحقيقة، لكنه يقدّمها بلطف.


خامسًا: الاحتواء لا يعني


من المهم تصحيح بعض المفاهيم:


الاحتواء لا يعني قبول الأذى أو الاستمرار في علاقات سامة.

لا يعني تبرير الخطأ أو التنازل عن الكرامة.

لا يعني أن تكون المعالج النفسي للجميع على حساب نفسك.


فالاحتواء الحقيقي يبدأ من احتواء الذات أولًا.


سادسًا: كيف نمارس فنّ الاحتواء؟


تدرّب على الصمت الواعي: أحيانًا الصمت المتفهم أبلغ من الكلام.

سمِّ المشاعر: قولك “أفهم أنك حزين” يخفف نصف الألم.

تجنّب النصائح السريعة: اسأل قبل أن تقترح.

كن حاضرًا بصدق: الهاتف بعيد، والعين في العين.

احتوِ نفسك: اسمح لنفسك أن تشعر، أن تتعب، أن تخطئ.


سابعًا: الاحتواء كقيمة مجتمعية


المجتمعات التي يسودها الاحتواء، تكون أكثر تماسكًا وأقل عنفًا.

فالاحتواء يخلق أفرادًا أسوياء، قادرين على الحوار، لا على الإقصاء.

وهو أساس من أسس السلام الداخلي والاجتماعي.


خاتمة


فنّ الاحتواء ليس رفاهية إنسانية، بل ضرورة روحية في زمن القسوة، هو أن تكون ملجأً لا محكمة، وسندًا لا عبئًا، وضوءًا خافتًا يكفي لطمأنة قلبٍ متعب.

وفي النهاية، قد لا يتذكّر الناس ما قلته لهم، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف احتويتهم وهم في أضعف حالاتهم.


الكاتبة: ورود نبيل

الأردن


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود