أجنحة الحرف: ...د. محمد شعوفي

 أجنحة الحرف: 

من بياض الصفحة إلى فضاء الروح. 


كل كتابة هي جناح، وكل صفحة بيضاء هي سماء تنتظر التحليق.  

أقف أمام بياض الصفحة، لا كمن ينتظر إشارة للبدء، بل كمن يترقب قدوم أسراب من الطيور الغريبة، تحمل في مناقيرها بذور عوالم لم تُخلق بعد.  

إن هذه المساحة البيضاء ليست فراغًا.  

إنها سماء صامتة تنتظر زحف السحب الأولى، سحب الحروف.  

في هذه اللحظة المقدسة، لست سوى راصد لسماء نفسي.  

أرقب كيف تحضن روحي سرها العميق، وتعد العدّة للإقلاع نحو فضاء لا يُمسك ولا يُحد إلا بأفق خيالي.  

ليست الحروف التي أنثرها على الورق أو على شاشة الهاتف طيورًا عابرة.  

إنها أجنحة كونية تتخذ هيئة خط ومنحنى.  

وكل كلمة أرفعها هي ذروة أصل إليها.  

وكل جملة أحكم بناءها هي سماء جديدة أخلقها.  

ألمس بأصابعي، كما يلمس النسّاج خيوط نور، تلك الأجنحة النابتة من أعماق الوعي.  

فتتحول الكتابة من فعل تسطير إلى طقس تحليق.  

تطير بي الجمل بعيدًا عن قيود الزمان والمكان.  

تفتح لي بابًا إلى مملكة المعنى، حيث تسبح الأفكار ككواكب في محيط من النور.  

وأدرك في عمق وجداني أن هذه الرموز التي أخرجها من كهف الصمت لا تحمل رسائل عابرة فحسب.  

إنها مدرّبة أرواح.  

تعلّمني كيف أطير معها.  

كيف أتحرر من جاذبية الواقع المألوف.  

وكيف أستكشف قارات من الخيال كانت مخبّأة في تضاريس قلبي.  

فحين أنحت حرفًا، أو ألقي بكلمة في بحر النص، أرسل شطرًا من روحي في رحلة لا عودة منها.  

أترك بصمتي على وجه الحياة.  

وأتعلم أن الحقائق العميقة تتوارى خلف ستائر الظاهر.  

وأن الغموض المحيط بالكلمات هو ذاته الوقود الذي يدفعني للبحث والتأمل والانطلاق.  

أتأمل القصيدة فأراها طائر الفينيق ينهض من رماد المشاعر.  

هي لا تعظني، بل تدير معي دورة الوجود في صمت بليغ.  

تخبرني، من غير كلام مباشر، أن القهر قد يُصقل ليصبح جوهرة.  

وأن السكون قد يكون تململ جناح تحت القشرة.  

وأن النهوض الحقيقي يبتسم كنور الفجر بعد ليل طويل من المخاض.  

كذلك النص، الذي يهمس في أذن الروح بصوت خافت، كخفقان القلب حين يحب.  

يذكّرني بأن السقوط ليس نهاية الرحلة.  

بل تمرين سري على فن التحليق.  

وفرصة لأن أتعلم كيف أرفع جناحيّ مرة أخرى، بشجاعة أكبر، وبحكمة أعمق، وبثقة تملأ ما بين السماء والأرض.  

وأصل في رحلتي إلى جوهر ما أؤمن به: أن الأمل لا يُستعار.  

ولا يُهدى كقطعة حُليّ.  

الأمل يُصاغ حرفًا حرفًا، كبناء عش على فرع عالٍ.  

يُنسج بكلمات نختارها من معدن الصدق في نفوسنا.  

وبمعانٍ نستخرجها من مناجم تجاربنا.  

فكل حرف من حروف الأمل الذي أخطّه هو ريشة جديدة أضيفها إلى جناحيّ وإلى أجنحة كل من تصلُه كلماتي.  

إنها رسائل مكتوبة بنور الثقة.  

تُرسل عبر الزمان والمكان.  

لتثمر في قلوب الآخرين شعورًا بالاتصال.  

وبأننا، في مواجهة صعوبات الوجود، نحلّق معًا في سرب واحد.  

لذا، أعتبر الحرف أكثر من وسيلة تواصل.  

إنه جسر روحي وإنساني.  

والمحادثة الأبدية بين قلبي وقلوب الآخرين، وبيني وبين نفسي.  

الحرف يعلّمني كيف أعيش بإيقاع أعمق.  

كيف أصمد أمام رياح القنوط.  

وكيف أناضل بصبر من أجل فجر جديد.  

هو الخيط النوراني الذي أستهدي به.  

وأبني مستقبلي حرفًا يتبع حرفًا.  

في مسيرة لا تتوقف نحو النور، ذلك الذي يشرق دائمًا في داخل كل واحد منا.  

وينتظر فقط أن نطلق له الأجنحة كي يُحلّق.  

وهكذا، تتحول الصفحة الفارغة من محض فراغ إلى وعد صادق.  

وتتحول الكتابة من مجرد تسطير إلى فعل تكوين متواصل للذات.  

حين أكتب، لا أملأ بياض الورق فحسب.  

بل أملأ بياض الروح بألوان من المعنى.  

وأعطي للصمت أجنحة ليتحول إلى نداء حرية.  

هذه هي القوة الساحرة للحرف: أن يكون بذرة حياة في تربة الوعي.  

وأن يكون الريشة التي تكتب في سجل الوجود أن الروح كانت هنا… وحلّقت.  

وهكذا، يظل الحرف جناحًا يفتح للروح سماءها، ويحوّل الكتابة إلى تحليق أبدي بين بياض الصفحة ووعي الوجود.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

26 يناير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود