الإنسان الذي لا يُشبه المكان..أ. ورود نبيل

 الإنسان الذي لا يُشبه المكان

في علم الاجتماع، يُقال إنّ الإنسان ابنُ بيئته، عبارةٌ تبدو مكتملة، لكنّها لا تتّسع لحكاية أولئك الذين وُلدوا أيتام المعنى؛ كبروا وسط الوجوه، لكن دون انسجام، كأنّ أرواحهم جاءت من زمنٍ آخر، أو من سؤالٍ لم يُطرح بعد، أولئك الذين لم يخطئوا المكان، بل لم يُشبهُوه.


هؤلاء لا تقبل أرواحهم القوالب الجاهزة، لا لأنّهم أنقى أو أسمى من غيرهم، بل لأنّهم أكثر رهافة. يحملون قلوبًا بلا جلد، تتألم من أشياء يمرّ بها الآخرون على أنّها تفاصيل عابرة، الحساسية عندهم ليست هشاشة، كما يُشاع، بل وعيٌ زائد عن حاجة عالمٍ يفضّل البلادة، إنّها جهاز استشعارٍ روحيّ يلتقط التّناقض قبل أن يُقال، والزّيف قبل أن يتجسّد، والخطر قبل أن يُسمّى.


يتعبون باكرًا؛ لأنّهم يشعرون أكثر ممّا ينبغي، ويفهمون أكثر مما يحتمل العمر، ينضجون قبل أن يُسمح لهم باللعب، ويكتشفون الخيبة قبل أن يتعلّموا الأمل، وحين يكتشفون، بصدمةٍ صامتة، أنّ ما يجرحهم لا يجرح غيرهم، وأنّ ما يكسرهم قد يُضحك الآخرين، ينسحبون خطوةً إلى الدّاخل؛ لا هروبًا، بل حفاظًا على ما تبقّى من الرّوح، فيصمتون.


والصّمت، في هذا العالم، تهمةٌ جاهزة، يُساء فهمهم، ويُوصَفون بالبرود أو التّعقيد أو الغموض، ولا أحد يرى الحقيقة البسيطة، أنّهم تعبوا من التّفسير، تعبوا من شرح ما لا يُشرح، ومن الدّفاع عن إحساسٍ لا يُصدَّق.


أنا واحدٌ من هؤلاء، أدركتُ باكرًا أنّ الاندماج ليس فضيلةً دائمًا، وأنّ الذّوبان قد يكون خيانةً صامتة للذّات، فليس كلّ انسجامٍ صحّة، وليس كلّ وحدةٍ مرضًا.

 وتعلّمت، بعد كلفةٍ باهظة، أنّ السّلام مع النّفس لا يُمنَح، بل يُنتزَع عبر عزلةٍ طويلة؛ عزلةٍ مؤلمة، نعم، لكنّها نظيفة، لا تساوم، لا تكذب، ولا تتزيّن.


عزلةٌ تُسمِعك صوتك الحقيقي بعد أن يسكت ضجيج الآخرين، وتُعيد ترتيب قلبك، وتُذكّرك أنّ الله حين خلقك مختلفًا لم يُخطئ في القياس، بل أعدّك لمسارٍ لا يحتمل النّسخ.


فطوبى للغرباء الذين لم يجدوا وطنهم في الجغرافيا فبنوه في المعنى، طوبى لمن اختار الصّدق مع نفسه، ولو كلّفه ذلك وحدةً، ولو جعله يبدو غريبًا في أعين الجميع.


﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

ليست وعدًا زمنيًا فحسب، بل وعدًا داخليًا؛ أنّ من صبر على ذاته، سيصل يومًا إلى سلامٍ لا يُشبه أحدًا سواه.


الكاتبة: ورود نبيل

الأردن


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود