مصابيح الطاعة قصة قصيرة // بقلم أ. د. محسن الرديني

 مصابيح الطاعة

قصة قصيرة

د. محسن الرديني

لم يكن عبد المعين يغيب طويلًا.

نصف ساعة فقط، في منتصف الدوام، ثم يعود مسرعا ليعوضها بساعة عمل كاملة، صامتًا، دقيقًا، كأن الزمن نفسه يعتذر له.

لكن الصمت لا يمرّ آمنًا دائمًا.

– أين تنزوي كل يوم يا عبد المعين؟

– نصف ساعة، لا أكثر… هل تشرب دواء؟

– أم تجارة خفية؟

– أم علاقة لا نعرفها؟

– ولماذا لا يعترض المدير العام عليك؟

كانت الأسئلة تتساقط عليه كقطرات ماء باردة، يطلقها فاهم، الموظف الذي يعرف كل شيء عن الجميع، أو هكذا يظن.

كان عبد المعين يسمعها، ولا يجيب. ليس استخفافًا، بل لأن كل سؤال كان يضعه أمام رغبة مؤجلة:

أن يعيش لنفسه ساعة واحدة فقط… بلا وعد، بلا التزام، بلا سرير خشبي ينتظره.

في إحدى المرات، قال بهدوء لم يُخفِ ما تحته من إرهاق:

– يا أستاذ فاهم، دع الخلق للخالق. فمن راقب الناس مات همًّا. لكلٍّ منّا ظروفه الخاصة.فكف عني

ثم صمت لحظة، وأضاف بنبرة أقل صلابة:

– إن كانت لديك مشكلة معي، فقلها. ربما أستطيع مساعدتك.

شعر فاهم، للمرة الأولى، أن هذا الكلام ليس عتبا، بل إدانة معلنة.

كان يرى في انتظام عبد المعين وانضباطه نوعًا من التفوق الأخلاقي، أو هكذا بدا له، فزاد ذلك من ضيقه.

رد ببرود:

– أشكرك… الأمر لا يخصك.

منذ ذلك اليوم، لم يعد الفضول سؤالًا بريئًا. صار مشروعًا.

راح فاهم يراقب خطوات عبد المعين، توقيت خروجه، طريقه، عودته.

تبعه حتى باب البيت، لكنه لم يدخل.

كان الباب مغلقًا… كما لو أن السر لا يُمنح إلا لمن يستحقه.

فكّر بطريقة أخرى.

طلب من زميل مشترك أن يعزم عبد المعين على قدح شاي في بيته.

اعتذر عبد المعين بأدب.

ازداد الشك.

وفي الشك، حين يقترن بالنقص، يولد الشر.

لم يطل الوقت حتى تحولت الأسئلة إلى همس، والهمس إلى إشاعة:

«عبد المعين يسرّب بريد الشركة… معلومات حساسة… مقابل ثمن».

انتشرت الإشاعة أسرع من الحقيقة.

وشُكّلت لجنة تحقيق.

وسُحبت يد عبد المعين من العمل.

في غرفة التحقيق، جلس صامتًا.

وحين طُلب منه تفسير غيابه، لم يجب فورًا.

مرّت في ذهنه صورة قديمة:

أبوه يوم سقط لأول مرة،

السرير نفسه،

الرائحة نفسها،

ومصباح صغير يرتعش ضوؤه فوق رأسٍ أنهكه العمر.

قال بهدوء:

– قبل أي إجراء… أطلب من خضراتكم زيارة بيتي.

وافقوا.

كان البيت بسيطًا.

غرفة واحدة مضاءة بمصباح شاحب، نصفه يعمل ونصفه الآخر يصرّ على العتمة.

على سرير خشبي، تمدد رجل مسن، مشلول، عاجز عن الحركة.

وحين دخل عبد المعين، ارتسمت على وجهه ابتسامة كاملة، كأن الضوء استعاد قوته ونوره مرة واحدة.

اقترب منه.وهم يراقبون من الشباك

بدّل له حفاظته.

غسّل جسده بحركات بطيئة، مألوفة.

أطعمه.

وكان الأب يرفع عينيه إلى السقف، لا ليراه، بل ليدعو لأبنه.

ساد صمت طويل.

لم يُسمع سوى تنفّس الرجل العاجز… وصوت المصباح.

بكى أحد أعضاء اللجنة.

ثم آخر.حتى علا نشيط. البكاء

لم يقل عبد المعين شيئًا.

بعد أيام، عوقب فاهم بعقوبة انضباطية ونُقل خارج الشركة.

واعتذر لعبد المعين، لكن الاعتذار بدا أقل وزنًا من الجرح العميق .

وقبل أن يغادروا، سأله رئيس اللجنة، محاولًا كسر الثقل النفسي :

– لماذا لا تتزوج يا أستاذ عبد المعين؟

ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

– لا أحد يمكنه أن يقوم بخدمة أبي كما أفعل.

فهو ضعيف جسديًا… وفرحه حين يراني يشبه فرح فرخ عصفور حين يرى أمه.

وأنا…

أشعر بسعادة لا أعرف تفسيرها كلما لمحْتُ رضاه ودعواته الصامتة.

لا أريد أن يشاركني أحد هذه المتعة التي وهبها لي الله .

عاد عبد المعين إلى عمله.

لم ينظر أحد بعد ذلك إلى ساعته.

لكن أحدًا أيضًا…

لم يجرؤ على النظر طويلًا في عينيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود