الليل في سلسلة جبال مبدار بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
الليل في سلسلة جبال مبدار
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
لعل للنشأة شيئا من التأثير على تفكير الكاتب وأحاسيسه ومشاعره ووجدانه ؛ إذ نشأ الكاتب في كنف تلك الجبال الساحرة بجمالها ، الموحشة بخلوتها ، تنفس هواءها ، واستنشق عبق عبيرها ، وترعرع في أحضانها ، إن لذكرياتها آلام وآمال ، يصعب نسيانها أو حتى تجاوزها ، كيف أستطيع نسيان مساربي على تلك الجبال في الليالي المظلمة ؛ إذ يستوقفك فيها سماع قرع الحصا من أقدام السارب وهو على بعد فرسخ أو فرسخين ، الأمر الذي يستوقفك للحظات من الزمن وأنت في ذلك الظلام الحالك ، تسأل نفسك ثم تحاول أن تجيب ، أتلك القرعات من أقدام سارب أم من حركة ضباع أو ثعالب ، في الوقت الذي يخيم عليك السكون ، ويرافقك الهدوء ، المصحوب بالغدرة الموحشة ، وتحيط بك الظلمة من كل مكان ، ما أوحشها من ليال وما أروعها في الوقت نفسه ، يصحبك في سيرها الخوف ، ويزين خوفها السكون ، يفاجئك أحيانا طائر الخفاش بالطيران فجأة ، فترتعب من المفاجأة ، بل تشعرحينها أن قلبك قد طار معه ، وفي أحايين أخرى تسمع أنينا ، كأنه أنين شيخ مسن مريض ، تشعر وقتها أن روحك قد فارقتك فجأة جراء ذلك الأنين المتقطع ، ثم تعود إليك السكينة بعد أن تدرك أنه نعيق بوم ...
. أما في ليالي تلك الجبال المقمرة فالأمر آخر ؛ إذ تسير وأنت مستنير بنوره ، مطمئنا بمرافقته ، فرحا بإضاءته ، لكن الأجمل من ذلك أن تجد السحب تزاحم البدر بغيرتها ، وتسابق نوره بظلمتها ، لكنه يسطع من خلالها ، ويبدد بنوره عتمتها، فتجده يرافقك في تلك السلسلة الجبلية كالمضيف حين يحتفي بضيفه ؛ إذ يبسط شقة من ضوئه الساطع على يمينك ، وأخرى ضعيفة الضوء تشبه ظل الدوح على شمالك ، ثم يعود ويبسط تلك المضيئة أمامك ، والظليلة خلفك ، وكأنه في كرم يطغى على بخل تلك السحب السوداء ...
إن السير ليلا في جبال بني مجيد ، التي تسمى سلسلة جبال مبدار أمر فيه من الروعة والجمال ، وفيه من الرهبة والخيال ، ما تعجز ريشة الكاتب عن رسمه ، وتخفق عدسة بصره عن تصويره في هذه العجالة ...
تعليقات
إرسال تعليق