ميثاق الوصول: حكمة الصمود ومرونة المسير...د. محمد شعوفي

 ميثاق الوصول: 

حكمة الصمود ومرونة المسير. 


كل رحلة إنسانية هي ميثاق بين جذورٍ ثابتة ومسيرٍ متحوّل، بين الصمود والمرونة، بين الثبات والانفتاح على احتمالات الطريق.  

أؤمن يقينًا أن الإنسان ليس مجرد عابر سبيل في قفر الأيام، بل هو كائن يُصاغ من مادة أحلامه، ويُصقل بوهج تجاربه.  

في أعماق كل إنسان ثمة خريطة سرية، لا تُرى بالعين المجردة، بل ترسمها أحلام اليقظة وتغذيها لواعج الحنين.  

هي بوصلة داخلية تتوهج في الصدر كنجم قطبي لا يغيب، تُشير دوماً إلى منصات الأمل التي نتوق للوقوف عليها، وتصوّر مشاهد الحياة التي نرغب في عيشها بكل جوارحنا.  

لكننا نعلم جميعًا، بمرارة الواقع، أن الحياة لا تقدم أحلامها الثمينة هدية على طبق من فضة.  

فكل هدف سامٍ يطلب ضريبته المستحقة: 

عرق المثابرة، ودموع الصبر الثقيلة، وثقل الليالي الطوال التي نقاوم فيها وحشة اليأس.  

لذلك، وفي مواجهة هذه الضريبة، أختار الصمود موقفًا وعقيدة.  

أصمد كالنخلة الباسقة التي تغرس جذورها في أحشاء الصحراء، لا لتمرد عقيم على الريح، بل لأنها تعلم أن في ثباتها معنى وجوديًا يتجاوز مجرد البقاء.  

الصمود هو إيماني العميق بأن للحياة قيمة عليا، لا تُقاس إلا بمقدار ما أحارب من أجله وما أحتمل في سبيله.  

وهو الدليل الحي النابض على أنني موجود، أتنفس، أرغب، وأصرّ بكل جوارحي على مواصلة المسير.  

بدون هذا الإصرار، يتحول الوجود إلى مجرد مرور عابر وباهت، كظل سحابة شاردة على جدران الزمن الصماء.  

لكنني، وبرغم هذا الثبات، أرفض أن أكون سجينًا لطريق واحد أو فكرة متصلبة.  

فالعالم ليس لوحة أرسمها بمفردي وفق هواي المطلق، بل هو تفاعل معقد مع قوى أكبر مني.  

قد يُغلق أمامي درب كنت أظنه سالكًا ومفروشًا بالوعود، لا لقصور في عزيمتي ولا لضعف في خطواتي، بل لأن الحياة تعيد ترتيب أوراقها بيد خفية لا ندرك كنهها.  

ظروف خارج حدود سيطرتي، تغيرات كونية أسرع من قدرتي على اللحاق بها، أو حتى أخطاء بشرية في تقدير المسافات أو حدود الإمكانات المتاحة.  

كل هذه العوامل قد تحوّل الطريق الذي عشقته وبذلت فيه عمري إلى جدار صلد يصدّ خطواتي.  

هنا يبدأ الدرس الأغلى والأنفس: إن المحاربة الحقيقية لا تكمن دائمًا في الاستمرار على الخط نفسه حتى لحظة الانهيار.  

بل أحيانًا، تكمن القوة في الشجاعة على التوقف الاضطراري.  

تكمن في رفع الرأس عاليًا، والنظر حولي ببصيرة صافية لا يحجبها غبار العناد، والاعتراف بوجود دروب أخرى كانت غائبة عن الحسبان.  

ربما تكون تلك الدروب أكثر انحدارًا أو أقل وضوحًا في البداية، لكنها قد تقود إلى الغاية ذاتها بسلام.  

أو، وهذا هو مكمن الدهشة الدائم، قد تقودني إلى غاية أبهى وأجمل بكثير مما رسمه خيالي المحدود في لحظة ضيق.  

المرونة، إذن، ليست مرادفًا للضعف ولا مسلكًا للهروب، بل هي ذروة الذكاء الروحي والارتقاء الفكري.  

إنها الحكمة التي تعلمني كيف أحفظ شعلة طاقتي لما يستحق القتال، لا أن أبددها في نطح جدران صلدة لا تُفتح.  

هي القدرة الفائقة على الانحناء لتمرّ العاصفة دون أن تكسر الظهر، كالغصن النضير الذي يلين للريح ثم يعتدل بعدها أكثر حيوية وإشراقًا.  

في كل منعطف جديد أُجبر على سلوكه، أكتشف جانبًا مجهولًا من نفسي، ويتسع أفق تفكيري، وأتعمق في فهم طبيعة الحياة.  

فالحياة ليست خطًا مستقيمًا مرسومًا بمسطرة، بل هي نهر حيّ يتلوى في مسارات متعرجة بحثًا عن مستقره في البحر.  

في الختام، أدرك يقينًا أن الحلم الحقيقي ليس في تفاصيل الطريق الذي سلكته، بل في الغاية الكبرى التي ينبض من أجلها القلب.  

أثبت صلابتي ومعدني حين أصمد وأكافح في وجه الصعاب، وأثبت حكمتي ونضجي حين أعرف اللحظة المناسبة لأغير فيها المسار.  

أنا لا أخسر شيئًا حين أعدل اتجاه شراعي، بل أربح تجربة وجودية تعمّق فهمي لذاتي وللعالم المتغير من حولي.  

هذه هي الحكمة التي أسعى لغرس بذورها في أعماقي وفي وعي كل من يقرأ لي.  

أن نكون صامدين كالجبال الرواسي في تمسكنا بجوهر أحلامنا، ومرنين كالماء الزلال في اختيار سبل تحقيقها.  

بهذا التوازن الدقيق بين الصلابة واللين، نصل في النهاية، لا فقط إلى ما نريد، بل إلى ما يليق بكرامة أرواحنا.  

ليس هذا الميثاق شأنًا فرديًا فحسب، بل هو دعوة إلى أن نتشارك جميعًا في إعادة اكتشاف معنى الصمود والمرونة، وأن نعيد للوجود توازنه وسط عواصف العالم.  

وبهذا الميثاق، نحافظ وسط عواصف الحياة العاتية على بصيرتنا مضيئة، وطاقتنا متجددة، وروحنا حية تتوق دائمًا نحو المعالي.  

فالوصول ليس نهاية الرحلة، بل هو إعلان عن ميلاد حلم جديد يحتاج هو الآخر إلى صمود النخيل وحكمة الرياح.  

وهكذا، يصبح الوصول ميثاقًا متجددًا، لا يعلن نهاية الطريق، بل بداية حلم جديد.  

فكل وصولٍ هو عهدٌ جديد مع الذات، يذكّرنا أن الطريق ليس غايةً في ذاته، بل وسيلةٌ لصقل الروح وتوسيع الأفق. 

ليصبح الوصول لحظةً من نور، تُعيدنا إلى جذورنا الراسخة، وتفتح أمامنا مساراتٍ أرحب، حيث يلتقي ثباتُ النخيل بحكمةِ الرياح، فيرتقي الإنسان إلى مقامٍ أسمى من مجرد بلوغ الهدف: 

مقام العيش بوعيٍ وكرامةٍ وامتلاء.


بقلم:  

د. محمد شعوفي

28 يناير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود