سيادة الصمت: حين يصبح الهدوء ثورة...د. محمد شعوفي

 سيادة الصمت:

حين يصبح الهدوء ثورة. 


في زمنٍ يربح فيه الأعلى صوتًا، يصبح الهدوء فعلًا من أفعال الحرية.  

حين تفشل السلبية في استعمار الروح، يظل الصمت خيارًا شاقًا، لكنه خيار من يعرف أن السكينة ليست ضعفًا، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من كل الصراخ.  

لطالما تساءلت، وأنا أقف أمام مرآة الروح: ما الذي يدفع بعض الناس إلى غرس الفوضى في دروب الآخرين كأنها تيجان يفاخرون بها؟  

ولماذا يسعون إلى تمديد ظلالهم القاتمة لتغطي مساحات الضوء في قلوب لم تؤذهم يومًا؟  

بعد تأمل طويل، أدركت أن انزعاجهم لا ينبع فقط من جراحهم الشخصية، بل من وجود إنسان يرفض أن يسقط في الحفرة ذاتها.  

إن هدوئي بالنسبة لهم مرآة كاشفة، تعري هشاشة حصونهم الداخلية، فيستشيطون غضبًا لأن فوضاهم فشلت في استعمار روح قررت أن تبقى حرة.  

اخترت منذ زمن أن أتمرد على منطق العواصف.  

فالحياة، في نظري، ليست مجرد صمود مرير ولا سباقًا للبقاء، بل رحلة دهشة وفرصة كونية فريدة لنكون أكثر صدقًا مع ذواتنا.  

نحن هنا لنظهر، لنضيء، ولنترك أثرًا صادقًا في هذا الغموض العظيم الذي نعيشه.  

ولهذا، نصبت لأيامي ثلاثة أعمدة لا تقبل المساومة ولا التفاوض:  

- الجمال: تلك اللمسة الرقيقة التي نحاول أن نحقن بها وريد العالم، عبر فكرة صادقة، أو كلمة نظيفة، أو حضور لا يؤذي.  

- الشغف: المحرّك الخفي الذي يرفع الروح فوق مستنقعات الركود، ويمنحها قدرة الاستمرار حين يتعب الجسد ويخفت الحماس.  

- المتعة: ليست ترفًا عابرًا، بل وقودًا ضروريًا لكل إبداع ونمو، فما لا نحبّه حقًا لا يمكن أن نحمله طويلًا دون أن ننكسر.  

حين أعتصم بالهدوء، هل يعني ذلك أنني أغمض عيني عن الوجع؟  

أبدًا.  

إنني أختار الوعي.  

فالغضب يعمي البصيرة، والقلق يشوه ملامح الطريق، أما السكينة فهي المنظار الذي يكشف المسارات الخفية والحلول الرزينة التي لا تُرى وسط العاصفة.  

أعلم أن هذه الرؤية ليست سهلة، فالسلبية أحيانًا ليست سوى ترسبات خيبات قديمة، أو نتاج ثقافة تحتفي بالشكوى أكثر مما تحتفي بالبناء.  

لكنني أؤمن أن التغيير لا يحتاج إلى خطابات رنانة ولا إلى صخب أخلاقي.  

إنه يحتاج فقط إلى نموذج حي، كائن واحد يقرر أن يعيش بطريقة مغايرة، فيصبح دليلًا يمشي على الأرض.  

وحين يرى الناس نورًا يشتعل وسط العتمة، يتسلل السؤال إلى دواخلهم بهدوء: وماذا لو جربت أنا أيضًا؟  

أنا لا أخوض حربًا ضد السلبيين، ولا أبحث عن انتصار عليهم، بل أختار أن أكون خيارًا مرئيًا للصواب.  

خيار الإضاءة، والشغف، والبناء الذي يبقى.  

فالحياة هدية مؤقتة، ولا توجد طريقة أسمى لاسترداد كرامتنا أمام هذا الوجود، من أن نعيد الأمانة وقد زدنا في نورها ودفئها.  

عندما نختار الهدوء، نحن لا نهرب، بل نعلن سيادتنا.  

ونثبت أن السلبية، مهما علا ضجيجها، ليست قدرًا محتومًا.  

وفي النهاية، القرار يظل لنا وحدنا: إما أن نسلّم مفاتيح قلوبنا للظلام، أو أن نحرس شمعتنا الصغيرة ونصرّ على أن تبقى مشتعلة، لا لتتحدى العتمة كلها، بل لتؤكد أن النور ممكن.  

فالهدوء، في جوهره، انتصار لا يترك خلفه خسارة.  

إنه وعدٌ للروح بأن تبقى حرة، مهما علا الضجيج.  

هو الطريق الذي يقودنا إلى معرفة أنفسنا، لا كما أراد لنا الصخب أن نكون، بل كما نحن حقًا.  

والهدوء ليس مجرد موقف، بل ميراث نتركه لمن يأتون بعدنا… ليعرفوا أن النور كان ممكنًا.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي 

08 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود