اليقظة الأخلاقية: حصن الإنسان الأخير...د. محمد شعوفي

 اليقظة الأخلاقية: 

حصن الإنسان الأخير. 


في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات، وتذوب فيه الحدود بين الحق والباطل، تصبح اليقظة الأخلاقية فعلاً وجوديًا لا ترفًا فكريًا.  

إنها البوصلة الأخيرة التي تحمي الإنسان من الذوبان في ضجيج العالم، وتعيد له القدرة على التمييز بين النور والظلال.  

هذا النص محاولة للوقوف عند لحظة صدق مع الذات، حيث يُختبر الضمير لا في الشعارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي نصمت عنها، فنمنح القبح فرصة التسلل إلى وعينا وحياتنا.  

في أعماق النفس، حيث تلتقي القيم بتحديات الواقع، أدركتُ أن «القبح» ليس عدوًا خارجيًا يهاجمنا بضجيج، بل هو ظلٌّ خفيٌّ يتسلل من فجوات الصمت التي نتركها في وعينا.  

إنه يتغذى على تساهلنا مع الأشياء الصغيرة، وينمو في تلك المساحات الرمادية التي نؤجِّل فيها اتخاذ موقف أخلاقي واضح.  

فكيف يمكن لسكوتنا أن يتحول إلى جسرٍ يعبر فوقه كل ما هو زائف؟  

تعلمتُ، بعد رحلةٍ من التأمل والاصطدام، أن مهادنة الزيف هي أولى خطوات الذوبان فيه.  

لا يمكننا أن نمنحه مساحةً ضيقة ونظن أنه سيتوقف عندها؛ فالقبح كالنار، إذا أُعطي شرارةً واحدة استرسل في محو الجمال من حولنا.  

فهل التراجع عن حماية قيمنا هو صونٌ للسلام، أم هو تفريطٌ بما تبقى من هويتنا الإنسانية؟  

رأيتُ أشكال هذا الانحدار تتسلل إلينا في صورٍ شتى:  

في لغةٍ تفتقر إلى الصدق،  

وفي تلاعبٍ بالمشاعر يغتال البراءة،  

وفي برودٍ إنساني يهين الروح ويُفرغ العلاقات من معناها.  

وأدركتُ أن التغاضي عن غياب القيمة مهما كان المبرر هو فتحُ بابٍ واسع للاغتراب والفرقة.  

إن إغماض العين عن محاولات تشويه الجمال في حياتنا ليس ترفُّعًا، بل هو منحُ القبح وقتًا إضافيًا ليتجذر في وعينا الفردي والجماعي.  

فهل نعي أن كل لحظة صمتٍ أمام الزيف هي خسارةٌ صامتة لمساحة من الحقيقة؟  

شهدتُ كيف تُهدر الروح الإنسانية بأشكالٍ لا تُحدث ضجيجًا:  

عبر استهلاكٍ يفرغنا من جوهرنا،  

وعبر صخبٍ دائم يطمس صوت الفطرة،  

وعبر تشويهٍ متدرج للمعاني السامية التي نشأنا عليها.  

عندما أستعيد صور الطفولة، أدرك أن البراءة الأولى كانت يقظةً فطرية تحرس الجمال بلا تنظير ولا ادعاء.  

كنا نرى في زهرةٍ صغيرة أو نسمة هواء معنىً كافيًا للحياة، ونشعر أن الطبيعة هي المعلم الأول الذي يذكّرنا بأن الصدق أبسط من الزيف، وأن النقاء أعمق من كل ضجيج.  

فهل فقدان هذه البساطة ليس هو الخسارة الكبرى التي تهدد إنسانيتنا؟  

وإذا لم نتمسك بجوهرنا اليوم، فقد يصبح الغد عالماً موحشًا، تغيب عنه الرقة، ويحل فيه الجفاء بوصفه قاعدة لا استثناء.  

أليست اليقظة هي الحصن الأخير الذي ما زلنا نملكه؟  

أدركتُ أن الانتصار للحق ليس نزاعًا بدنيًا ولا استعراض قوة، بل هو مسؤولية أخلاقية هادئة تجاه أنفسنا، وتجاه الأجيال التي لم تأتِ بعد.  

هو كلمةٌ صادقة تُقال في وقتها،  

وفعلٌ مستقيم يُقاوم الإغراء،  

وتربيةٌ واعية تغرس الشجاعة في القلوب اليافعة.  

وعندما يطلّ القبح برأسه، أرفض أن أكون محايدًا؛ فالصمت أمام تزييف الوعي ليس حكمة، بل مشاركة غير معلنة في تغييب الحقيقة.  

والتحرك  ولو بموقفٍ هادئ أو كلمةٍ صادقة يظل السبيل الوحيد للحفاظ على الضوء في عالمٍ يميل بثبات نحو العتمة.  

أعلم اليوم أن المستقبل ليس قدرًا ننتظره بسكون، بل أثرًا نصنعه بخياراتنا الصغيرة قبل الكبيرة.  

نحن مسؤولون عمّا نتقبله، وعمّا نصمت عنه بذريعة العجز أو الخوف أو التأجيل.  

لا أريد أن أكون ممن يقولون غدًا:  

«لم نلحظ حدوث ذلك».  

أريد أن أكون من الذين انحازوا للإنسان وللحقيقة، ليؤكدوا – بالفعل قبل القول – أن قوة الجمال والصدق أبقى من أي زيفٍ يتوهم الخلود.  


في النهاية، أختار أن أقف متمسكًا بقيمي، لا ادعاءً للمثالية، بل إيمانًا بأن الضعف أمام القبح يفتح الأبواب لكل ما هو رديء.  

إن الشجاعة الأدبية ليست ترفًا، بل هي المفتاح الأخير الذي يحمي عالمنا من الانحدار.  

أختار اليقظة على الغفلة، والمسؤولية على التخاذل.  

فإن لم نحمِ جمالنا الداخلي اليوم، فلن نترك لأبنائنا غدًا سوى فراغٍ يتردد فيه صدى الغياب.  

ولعل اليقظة الأخلاقية هي آخر ما يربطنا بإنسانيتنا، وآخر ما يحفظ لنا حق الحلم بعالمٍ أجمل.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

01 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود