الحب: من عطش الروح إلى استهلاك العصر..د. محمد شعوفي

 الحب:

من عطش الروح إلى استهلاك العصر


الحب ليس مجرد شعور عابر، بل هو جوهر إنساني خالد، يرافق الإنسان منذ بداياته، ويصوغ ذاكرته الجمعية عبر الشعر والأساطير والقصائد.  

هو بشرى إنسانية لا يمكن التشكيك في صدقها وأصالتها.  

لكن السؤال الذي يهز القلوب اليوم هو: 

بأي نية نصوغه في عصرنا؟  

ومن الذي يمنحه أسماءً جديدة ويحدد له مواعيد موسمية؟  

هل تحولت تعبيراته العميقة إلى مجرد تقليد يُعاد في مناسبات محددة؟  

أم ظلّ رافدًا حيويًا للوجود كما كان في الأزمنة الغابرة؟  

في تأملي لهذا الشعور العتيق المتجدد، أجدني أقف على مفترق طرق بين رؤيتين:  

رؤية تمتد جذورها في عمق تراثنا الأصيل، ورؤى أخرى تفرضها علينا ثقافة العصر الاستهلاكية.  

ليس الأمر مجرد مقارنة جمالية، بل هو بحث وجودي عن معنى الحب الحقيقي في زمن أصبحت فيه المشاعر سلعة تباع وتشترى.  

لقد أفرغ التصور المعاصر الحب من معناه حين أفرط في عرضه، فحوّله إلى منتج يُستهلك في أوقات الفراغ والترف، كجزء من ثقافة المتعة السريعة.  

أصبح الحب موسمياً كالموضة، يظهر في مواعيد محددة بأسماء براقة، ثم يختفي حتى موعد آخر.  

صار تعبيرًا سطحيًا يفتقر إلى التضحية والمعاناة الشريفة التي تصقل المشاعر وتعمقها.  

أما في التراث القديم، فقد عاش الحب على قحولة وجوع حقيقيين.  

جوعٌ لم يكن يشبع بالكلام السهل ولا بالصور العابرة، بل بالصدق والعمق.  

كان الحب هناك أشبه بنبتة برية، لا ينبتها إلا العطش، ولا يسقيها إلا الصبر، ولا يثمرها إلا البعد والانتظار.  

لقد كان العشاق القدامى أكثر قدرة على تحويل الألم إلى قصائد خالدة، والمعاناة إلى أيقونات إنسانية لا تموت.  

في تراثنا، كان قيس يذوب في اسم ليلى حتى غدا مجنونًا بها، وعنترة يجعل من حبه مقياسًا للشرف والفضيلة والكرامة.  

بشعرهما الصادق، وبنيتهما العاطفية النقية، وصلت إلينا أخبارهما حية نابضة، كأنهما يحدثاننا بأصواتهما عبر القرون.  

لقد كان الحب مدرسة أخلاق قبل أن يكون مدرسة عواطف.  

فعنترة لم يحب عبلة حبًا أعمى، بل كان حبه دافعًا له ليكون فارسًا شجاعًا، وإنسانًا نبيلاً.  

الحب هناك كان يصنع الإنسان المتكامل، بينما اليوم قد يصنع أحيانًا مجرد مستهلكين للمشاعر.  

لو لم يكن لهم ذاك البيان الفصيح، والقصائد حلوة الإيقاع، لما بقيت ذكراهم حيّة كإرث يُورث جيلاً بعد جيل.  

فالكلمة الصادقة كانت وعاء الحب الخالد، والقوافي كانت حصن المشاعر من النسيان.  

أتأمل اليوم في علاقاتنا، فأجد أن التكنولوجيا منحتنا أدوات التواصل، لكنها سرقت منا متعة الانتظار، وعمقت فينا نزعة الاستعجال.  

نريد حبًا سريعًا، ومشاعر جاهزة كالسلع المعلبة، وارتباطات بلا تضحية.  

ألا نخسر جوهر الحب حين ننزع منه معاناته النبيلة؟  

أليس في الانتظار، وفي الحنين، ما يصقل الروح ويجعلها أكثر صدقًا؟  

الحب الحقيقي ليس نزهة عابرة، بل هو سير في طريق يحتاج إلى قوة احتمال وتجلد.  

أؤمن أن الحب لا يحتاج إلى "ماركات" تجارية أو مواعيد موسمية.  

هو نور يضيء المسارات، ويجدد الحياة في كل زمان ومكان.  

لكن الفرق أننا نعيش في زمن يريد أن يفرغ الحب من مضمونه الوجداني، ويحوله إلى حدث استهلاكي عابر.  

علينا أن نقاوم هذا التسطيح، وأن نحافظ على جوهر المحبة، ونرويها من ينابيع التراث العاطفي الأصيل.  

فلنعد للحب مكانته الحقيقية، ولنصغه بنية صادقة بعيدًا عن التقليد الأجوف.  

فالحب عطاء لا ينقص من ذخائر الروح، بل يزيدها غنىً ونقاءً.  

في الختام، أدعو نفسي وإياك أيها القارئ، أن ننظر في مرآة قلوبنا:  

أي حب نعيش؟  

أهو الحب الذي يصنع الأساطير ويغير النفوس؟  

أم هو الحب الموسمي الذي يذوب بانتهاء المناسبة؟  

أهو حب يضيف إلى روحنا عمقًا، أم هو حب يستهلك الوقت دون أثر؟  

الحب رسالة إنسانية عظيمة، فلنحملها كما حملها الأوفياء، بصدق المحبين، 

وعمق الصادقين، 

وإخلاص المخلصين.  

ولنجعل منه عهدًا إنسانيًا خالدًا، يؤجر عليه صاحبه، 

ويورث القلوب نورًا لا يزول.


بقلم:  

د. محمد شعوفي  

15 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود