التكافل الاجتماعي في شهر رمضان المبارك...م.جمال الشلالدة

 التكافل الاجتماعي في شهر رمضان المبارك

حين يطلُّ شهر رمضان لا يأتي وحده بل يحمل في يديه باقاتٍ من الرحمة تمتدّ إلى كل بيت ويوقظ في القلوب معنى العطاء قبل أن يذكّرها بالجوع والعطش هو شهرٌ تتغيّر فيه ملامح المدن فتغدو الأزقّة أكثر دفئًا وتصبح البيوت نوافذ مفتوحة على المحبة في هذا الشهر لا يبقى الإنسان منشغلًا بنفسه بل يلتفت إلى من حوله كأنما يرى العالم بعينٍ جديدة التكافل في رمضان ليس عادةً عابرة بل روحٌ تسري في المجتمع فتجعله جسدًا واحدًا يشعر بعضه ببعض حين يجوع الصائم ساعاتٍ طويلة يدرك معنى الحاجة فيرقّ قلبه لمن أثقلهم الفقر طوال العام ومن هذا الإدراك تولد مبادرات الخير التي تزرع الابتسامة في وجوه المتعبين تمتدّ الموائد في الساحات وتُعدّ الأطباق لتُقدَّم لمن لا يجد قوت يومه فيشعر الجميع أن الرزق أمانةٌ مشتركة الأيادي التي تعطي لا تنتظر شكرًا لأنها تستمدّ فرحتها من رضى الله ومن إشراقة الامتنان في العيون وتتحوّل البيوت الصغيرة إلى ينابيع كرمٍ حين تقرر أن تشارك مما تملك ولو كان قليلًا في رمضان يتعلم الناس أن الغنى الحقيقي ليس في كثرة المال بل في سعة القلب تُخرَج الزكوات والصدقات فتنتقل النعم من يدٍ إلى يد كأنها جسور تعبر فوق فجوات العوز وتتجلى حكمة الإسلام في تشريع الزكاة التي تنظّم هذا العطاء وتجعله حقًا معلومًا لا فضلًا عابرًا تتكافل الأسرة الواحدة فيما بينها فيحرص الكبير على الصغير ويطمئن القوي على الضعيف وتتوسّع دائرة الاهتمام لتشمل الجار قبل القريب فيسأل الناس عن أحوال بعضهم بصدقٍ ومحبة الطرقات التي قد تعجّ بالانشغال في غيره تكتسب سكونًا يليق بالتأمل والتراحم يصبح السؤال عن المحتاج عادةً يومية وتتحول المبادرات الشبابية إلى مشاعل نور في الأحياء يتنافس المتطوعون في خدمة الصائمين فيوزّعون الماء والتمر قبيل الأذان بلهفةٍ لا تخلو من بهجة ويشعر المرء أن كل عملٍ بسيطٍ يمكن أن يكون بابًا واسعًا للأجر التكافل في رمضان لا يقتصر على المال بل يشمل الكلمة الطيبة والمواساة الصادقة ربّ دعاءٍ خفيّ يرفعه قلبٌ محبّ يكون أثمن من كنوز الأرض وربّ زيارةٍ خاطفةٍ لمريضٍ تبعث في نفسه قوةً تعينه على الصبر في هذا الشهر تتراجع الأنانية أمام نداء الإيمان فيتعلّم الإنسان أن وجوده مرتبط بغيره لا مكان فيه لبرود المشاعر لأن الصيام يوقظ الإحساس ويهذّب السلوك ومن رحم هذا الصفاء تنشأ مجتمعات أكثر تماسكًا وأشدّ ترابطًا يذكّرنا رمضان بأن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا بل ممارسة يومية تبدأ من البيت حين يضع الأب جزءًا من ماله للفقراء، يتعلّم الأبناء معنى المسؤولية وحين تشارك الأم أبناءها إعداد سلال الخير ينمو فيهم حبّ البذل منذ الصغر التكافل يخلق حالةً من الطمأنينة العامة إذ يشعر المحتاج أن له مكانًا محفوظًا في قلوب الناس ويشعر المعطي أن عطاياه تحفظ له إنسانيته وتقرّبه من خالقه وهكذا تتلاقى الأرواح في مساحةٍ من الصفاء يصعب أن تتحقق في غير هذا الشهر رمضان يعلّمنا أن المجتمعات القوية لا تُبنى بالحجارة وحدها بل بالقيم التي تجمع أبناءها وأن الرحمة حين تصبح سلوكًا عامًا تختفي كثير من أسباب القسوة والصراع فإذا تكافل الناس ضاقت مساحة الحزن واتسعت ميادين الأمل إن التكافل الاجتماعي في رمضان هو رسالةٌ حيّة تؤكد أن الخير ما زال يسكن القلوب هو عهدٌ يتجدّد كل عام بأن يبقى الإنسان سندًا لأخيه وأن تكون المحبة أساس العلاقات وإذا انقضى الشهر بقي أثره شاهدًا على أن العطاء أسلوب حياة لا يرتبط بزمنٍ محدد فطوبى لمجتمعٍ يجعل من رمضان نقطة انطلاقٍ لمواسم دائمة من التراحم وطوبى لقلبٍ أدرك أن أعظم ما يملكه هو القدرة على أن يُسعد غيره وهكذا يبقى رمضان منارةً تُضيء دروب التكافل وتذكّرنا بأن الإنسانية تزدهر حين نتشارك الخير


بقلم  :  م. جمال الشلالدة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

عَلِّمِينِي // بقلم أ. عبدالحبيب محمد