سيف الدّين العلوي مقطع من رواية قادمة

 يذكر في صباه أنّه كان يحلم بوضع نظارات شمسيّة أو طبيّة لا فرق.. كان يرى في ذلك تحقيقا لمظهر  وسامة رجوليّة و مجلبة للزّهو، تجعلانه محطّ أنظار الفاتنات والحاسدين سواء.. حين كبر و نضجت فيه مفاهيم جديدة عن الوسامة و الرّجولة والزّهو، تخلّى عن حلمه الصبيانيّ.  و فضّل أن يكون وجهه مُعافى من أيّ معدن من خارج معدنه الطّينيّ الأصليّ ..  غير أنّه عندما تشوّشت الرؤية في عينيه و لم يعد قادرا على قراءة  ما يُكتب على شاشة التّلفاز أمامه، و لا على تبيّن المرئيّات و الكائنات وغيرهما، من غير أن تتشظّى تلك الأشياء أمام باصرتيْه،   اضطرّ حينها إلى عيادة طبيب عيون، فاشترط عليه أن يعاشر ذلك المعدن البلّلوري المؤطّر بمعدن آخر مُقوّى يجهل تحديد صنفه .. و كان ذلك مقلقا ، وحاملا على الإيحاء بتقلّب مزاجه و بإحساسه بأنّه صار محدود الفاعليّة والنّجاعة..

ضعف البصر بلا ريب هو حالة طبيعيّة تحدث لملايين البشر على اختلاف الأجناس و الألوان والأعمار.. لكنّه يتحوّل في مرحلة ما إنذارا مبكّرا بالسّقوط في العمَى التّدريجيّ.. أو أقلّها بالسّقوط في طور أدنى من العمى، هو طور عدم تبيّن العالم و المعالم بوضوح.. لشدّ ما يوجع عبد الكريم أنّه لن يصبح قادرا، بعد عطب الرّؤية في عينيه، على تفكيك بندقيّة أو على تحسّس مسافة طريق أو تحديد مجال رؤية فسيح و استبار  مكامن الأعداء و ميادين الصّراع، أو  حتّى التمعّن في جغرافيا امرأة لذيذة  بلا عوائق ..  إنّ البصر الكامل السّلامة هو الحياةُ ذاتها.. إنّ البصر هو كذلك طريق البصيرة و أحد شروط التبصّر.. 

   من البصر تبدأ الأشياءُ ، تتحدّد الرؤية و تتأطّر المرئيّات، ثمّ ترتدّ إلى الإدراك فتصفّيه البصيرة ويقبله العقل.. عليك أن ترى أعداءك مثلا، و تحدّد موقعهم و تقرأ في عيونهم خططَهم، و في وجوههم إمّا سرَّ  الاستقرار  و علامات الانتصار، و إمّا سرّ الذّعر  و مؤشّرات الهزيمة..  ههنا ستقودك بصيرتك إلى تحديد مشاريعك القادمة من غير شبهة، و سيدفع بك العقل حتما إلى ضمان تفوّقك.. عليك أن تكون مبصرا و أنت تتحفّز  لمجابهة الخطر..  حدّق مليّا في ما يعترضك من أشياء تستطيع حينها أن تخترق الرّخام. و يمكن أن ترتدّ لبصركَ الثّابتِ الحادِّ رصاصاتُ عدوّك لِـتُرديه هو قبل أن يطالك.. هكذا يصبح البصر عيارَ  السّرعة القياسيّة و الفعل المباغت النّافذ..

-----------

سيف الدّين العلوي

مقطع من رواية قادمة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

عَلِّمِينِي // بقلم أ. عبدالحبيب محمد