سيادة الروح // بقلم: د. محمد شعوفي

 سيادة الروح:

كتابة المصير


في زمنٍ تتنازع فيه الأصوات وتتشابك فيه الأقنعة، يبقى السؤال الأعمق: 

من يملك السيادة على حياتي؟  

هل أنا مجرد شاهد على مسرحي الداخلي، أم المؤلف الذي يكتب نصه بوعي؟  

لم أكن أظنّ أن أقسى السجون هي تلك التي لا تُرى قضبانها.  

حتى اكتشفتُ أنني من نسجها بخيوط الذاكرة وأقفال التوقعات.  

عشتُ زمنًا أقرأ حياتي كما تُقرأ الروايات؛ أتتبع أحداثها وأتأثر بها، لكنني لا أشارك في كتابتها.  

ثم تنبّهتُ إلى حقيقةٍ بسيطةٍ ومزلزلة: 

القلم لم يسقط من يدي قط، إنما أنا من تردد في الكتابة على بياض العمر.  

ومنذ تلك اللحظة بدأتُ رحلة العودة إلى ذاتي، لا لأتأملها فحسب، بل لأقيم فيها سيادةً تُحرّرني من كل ما لا يشبهني .  

أمسكتُ بخيوط الوجود التي ظننتُها قد تهرّأت، فوجدتُها تنتظرني صابرةً كي أعيد نسجها بنيةٍ أوضح ومعنى أصدق.  

نظرتُ في مرآة نفسي فرأيتُ عوالم كاملة تدور في بؤبؤ العين؛ عوالم وُلدت من انكسارات الأمس، لكنها تحمل في رحم التجربة حكمةً تتشكل ببطءٍ ووقار.  

وقفتُ على حافة الماضي والمستقبل، واختلستُ من اللحظة الراهنة ألوانًا أرسم بها مصيري، مؤمنًا أن الحياة ليست قدرًا يُتلى، بل نصٌّ أكتبه بأنفاسي قبل حروفي.  

رأيتُ ما مضى لوحةً امتزجت فيها الظلال بالأضواء، وفهمتُ أن ما ظننته قدرًا نهائيًا لم يكن سوى مسودةٍ أولى.  

بوسعي أن أمسح سطورًا بقلم العفو، وأن أضيف أخرى بلون التجربة، وأن أبدأ صفحةً جديدة بأنامل الشجاعة.  

لم تعد أخطائي شواهد إدانة، بل شواهد تعلّم.  

ولم تعد الندوب نقصًا في الصورة، بل دليلًا على أنني عشتُ بما يكفي لأفهم.  

طالما سرتُ محاطًا بجوقةٍ صاخبةٍ من التوقعات؛ توقعات الآخرين التي تُثقِلُ خطاي، وتوقعاتي عن نفسي التي بُنيت على أصداءٍ قديمة، وتوقعات مجتمعٍ أراد لي قناعًا لا يعرف ملامحي، وتوقع زمنٍ استعجل أحلامي قبل أن تولد.  

حملتُ أعباءً لم أخترها كلها، وربطتُ وجودي بصورةٍ لم تعد تشبهني، حتى شعرتُ كأنني أعيش حياة شخصٍ آخر، أو نسخةً قديمةً مني توقفت عن النموّ على ضفة النهر.  

ثم جاءت اليقظة، لا كبرقٍ خاطف، بل كقطرات ندى تراكمت على زجاج الروح حتى صارت نافذةً واسعة.  

سألتُ نفسي: 

من قال إن عليّ أن أبقى أسير صورةٍ باهتة؟  

ومن قرر أن الألم القديم يجب أن يظلّ تعريفًا لي؟  

ومن أفتى بأن الطريق الذي سلكته يومًا هو طريقي إلى الأبد، ولو ضاق عن خطواتي المتجددة؟  

هناك، أدركتُ أن السرّ لم يكن خارجًا عني، بل كان نائمًا في أقدس معبد: 

في قراري.  

في تلك البذرة الصامتة التي تُخفي شجرة المصير.  

قررتُ أن أتوقف عن تعذيب نفسي باسم الوفاء لنسخةٍ انقضت، وأن أخلع عن روحي ثياب الحداد على أيامٍ ولّت.  

اخترتُ الحضور للآن، للمُتاح، للجمال الخفي الذي يتربص بنا في تفاصيل الحياة العادية.  

تعلمتُ أن أكون لطيفًا مع نفسي كما أكون مع من أحب، وأن أسمح للذكريات أن تمرّ كالماء في النهر؛ أغتسل منها ولا أغرق فيها.  

صرتُ أميّز بين ما يغذي روحي وما يثقلها، فأحتفظ بالأول كجوهرة، وأعيد الثاني إلى الحياة كما تُعاد الأصداف الفارغة إلى البحر.  

في الطفولة، كنتُ أظن أن العالم أكبر من أن يُكتب، وأنني مجرد ظلّ صغير في مسرحٍ واسع.  

لكنني أدركت لاحقًا أن بذور الحرية كانت هناك، في لحظة لعبٍ بريئة، في نظرةٍ إلى السماء، في سؤالٍ لم يجد جوابًا.  

الطفولة لم تكن ضعفًا، بل كانت أول درسٍ في أن الحياة تُكتب من الداخل قبل الخارج.  

اكتشفتُ أن الحرية ليست قطيعةً مع العالم، بل مصالحةٌ واعية معه من مركزٍ ثابت في الداخل.  

صرتُ أرى الزمن لا خصمًا يطاردني، بل رفيقًا يفتح لي أبواب الإمكان.  

هناك وقتٌ للعمل كالنهر الجاري، ووقتٌ للسكون كغيمةٍ معلّقة، ووقتٌ للحب كشجرةٍ وادعة، ووقتٌ لأن أكون حاضرًا حقًا، لا ظلًا يتنقل بين المهام.  

وكلما أفرجتُ عن شيءٍ لم يعد يناسبني، خفّ وزني، وخفّت خطواتي، وكأنني أخلع عن روحي أحجارًا كانت تُثقل طيرانها.  

لم تعد الحياة عندي سلسلة أحداثٍ أواجهها، بل مغامرةٌ أشارك في صنعها.  

كل صباحٍ لوحةٌ بيضاء، وكل اختيارٍ لون، وكل موقفٍ خطٌّ يغيّر الاتجاه.  

كنزي لم يكن في خرائط الآخرين، بل في أعماقي حيث تنبع الشجاعة الصامتة.  

أدركتُ أنني لستُ مدينًا لنفسي السابقة بأن أبقى كما كنت، وأن التغيّر ليس خيانةً للثبات، بل وفاءٌ أعمق للحقيقة.  

يحق لي أن أتبدّل كالفصول، وأن أنمو كالشجر، وأن أتراجع خطوةً لأتقدم أبعد، وأن أغفر لنفسي فأتحرر من سجن الذنب، وأن أختار طريقًا لم يكن في الحسبان لأكتشف أن المجهول وطنُ المغامرين.  

وهكذا، أرى أن أعمق درجات الوعي هي الجرأة على العيش بصدقٍ لا يرتدي أقنعة.  

السعادة ليست تصويتًا عامًا، بل نبعٌ داخليٌّ يتفجّر حين أكون أنا.  

الحياة نصٌّ أكتبه بحبر الخبرة وخطّ القرار، وكل يومٍ صفحةٌ بيضاء أبدأها بقلبٍ يتسع للعطاء وروحٍ حرة للطيران.  

لم أولد لأكون نسخةً مكررة، بل قصيدةً تتجدد سطورها كل يوم. 

واليوم، وقد أمسكتُ بقلم مصيري، أواصل الرسم بكل ما في داخلي من ألوان.  

لأنني اخترتُ أخيرًا أن أكون مؤلف حياتي، لا قارئًا متعبًا لسيناريو لم أكتبه.  

أكتبها بصدقٍ يحرّرني، وأقرأها بامتنانٍ يعلّمني، وأتركها قصيدةً مفتوحة تتجدّد مع كل صباح.  

فالحياة ليست روايةً مغلقة، بل نصٌّ حيٌّ يتنفس معنا، ويكتمل فقط حين نجرؤ على أن نكون نحن.  

وإذا كان العمر رحلةً قصيرة بين ميلادٍ ورحيل، فإن ما يبقى ليس عدد الأيام، بل عمق الأثر.  

أثرٌ يُشبه بصمة الروح على صفحة الزمن، لا يُمحى مهما تغيّرت الفصول.  

فأنا لا أكتب لأخلّد نفسي وحدي، بل لأترك للأمة والأجيال قصيدةً من نور، تشهد أن الإنسان قادر أن يحيا بصدق، وأن يواجه العتمة بالقلم، وأن يحوّل التجربة إلى رسالة.  

وهكذا، أجد أن سيادة الروح ليست امتلاكًا للذات فحسب، بل عهدًا مع الحياة أن أكون شاهدًا ومؤلفًا، وأن أترك وراءي نصًا يواصل التنفس حتى بعد أن أغيب. 


بقلم:

د. محمد شعوفي  

10 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود