ولادة من رحم التحدي..د. محمد شعوفي

 ولادة من رحم التحدي


كل إنسان يحمل في داخله شرارة خفية، لا يراها أحد، لكنها قادرة على إشعال ثورة وعي تغيّر مسار العمر.  

غالبًا ما تبدأ التحوّلات الكبرى من نقطة صمتٍ داخلي، لا يلتفت إليها أحد، لكنها تكون الشرارة الأولى لإعادة تشكيل الوعي، وبداية الخروج من دائرة الانتظار إلى أفق الفعل.  

في صمت الغرف التي تسكننا،  

وفي أروقة الذاكرة حيث تتكئ الأحلام على جدران الشك،  

أبدأ سردي.  

أقف على شرفة الوعي،  

أتأمل رحلة الروح من عتمة الانتظار السلبي إلى ضياء الصناعة والابتكار.  

ليست هذه كلمات تُنظم، بل نبضٌ يُحقن في شرايين الورق، ومسارات ترسمها خبرة التجربة وعصارة التأمل الطويل.  

أدوّنها كي لا تبقى حبيسة صدري، ولكي تُضيء قبسًا لمن ضلّ الطريق في متاهة الأبواب الموصدة.  

لقد تجرّعت، كما تجرّع كثيرون، مرارة القناعات الجاهزة،  

وصدّقت أن الوجود سلسلة من الإذن والمنع، وأن إرادتي مرهونة بقرار خارج عن مداري.  

كنت أسمع ذلك الصدى المثقَل بأحكام العجز المعلّب:  

"هذا الطريق لغيرك."  

"تلك الرغبة تفوق إمكانياتك."  

"القمم ليست لمن هم في مثل ظروفك."  

فشيّدتُ من تلك العبارات سقفًا منخفضًا لطموحي،  

واعتقدت أن دوري في هذا الوجود هو الوقوف بانتظار صوت مفتاح في القفل، أو مصادفة حظٍّ يأتي من أفق بعيد.  

لكنّ الحياة، بتجاربها الصامتة وأسئلتها التي لا تعرف المهادنة،  

كانت تُعلّمني درسًا واحدًا بعناد الحكماء:  

العالم لا يفتح خزائنه لمن يطرق الأبواب بتردّد،  

بل يُميل أذنه لمن يبدأ في صهر الأقفاص وإعادة تدويرها كمفاتيح.  

بدأت أنظر إلى كل عثرة واجهتها، لا كجدار يفصلني عن مرادي،  

بل كحجر زاوية أضعه في أساس قلعتي الخاصة.  

كل رفضٍ واجهته كان وقودًا يدفعني لأحفر في أرض إرادتي بعمق أكبر.  

وكل باب أُغلق في وجهي كان، بعد مرارة اللحظة الأولى، يحوّل أصابعي إلى إزميل،  

وعزيمتي إلى مطرقة، لأبدأ في نحت مخرج من صلب كبريائي؛  

بابًا لا يستجدي إذنًا، ولا يخشى تراجعًا، لأنه وليد مخاضي الذاتي.  

تعلّمت، في مدرسة الاصطدام العنيف بالواقع، أن الحظ ليس صدفة عمياء تهبط من الفراغ،  

بل هو التقاء واعٍ بين الاستعداد الجسدي والذهني، والفرصة التي تبرق في عتمة السعي الشاق.  

والاستعداد لا يُورث، ولا يُمنح من القوى الخارجية،  

بل يُصنَع بالمحاولة التي تتكرر كأنها شهيق وزفير،  

وبالوقوف بعد كل انكسار كأنه ولادة ثانية،  

وبإيمان بالذات لا يتزعزع حتى حين يبدو العالم كله جدارًا أصمًّا.  

وكلما ضاقت بي المسالك، وامتدّ ظلام الحيرة، كنت أهمس في أذن قلقي:  

ماذا لو كان هذا الضيق هو الرحم الذي يسبق الميلاد؟  

وماذا لو كان هذا الجدار هو اللوحة التي تنتظر من يرسم عليها ملامح الطريق؟  

فإذا بي أتحوّل من منتظرٍ للغيث إلى حفّار آبار في صحراء الإحباط.  

أبدأ بشقٍّ ضئيل من الأمل، ثم لا أزال أوسّعه بصبري ومثابرتي،  

حتى يتحول إلى ممر، ثم إلى ردهة، ثم إلى أفق عريض يطلّ على مملكة من الاحتمالات التي لم تكن لتخطر ببال الواهمين.  

اليوم أرى بوضوح كامل:  

التحقق الذاتي ليس ما ننتظره على أرصفة الآخرين،  

بل ما نُخصبه في معامل المعاناة، ونحمله في أحشاء التحدي، ثم نولده بعد كدح طويل.  

نغذّيه من حليب الصبر، ونسهر على نموّه تحت رذاذ الشك،  

حتى يشتدّ عوده، ويصير أجنحة من وعي تحملنا إلى فضاءاتنا الخاصة التي لا يملك مفاتيحها سوانا.  

أدركت، كحقيقة لا تقبل الجدل، أن أعظم الأبواب ليست تلك التي نجد مفاتيحها ملقاة على الطريق،  

بل تلك التي نصنع خشبها من قسوة الأيام، ومفاصلها من متانة الإصرار،  

ومقابضها من صلب الثقة التي لا تنكسر.  

ولكلٍّ منّا الحق الكامل، بل المسؤولية الوجودية، في أن يرسم خريطة كينونته بيديه،  

لا أن يكون مجرد نقطة باهتة على خريطة رسمها غيره.  

فإن كنت تقرأني الآن، وترى في داخلك ذلك الشرر القديم المتّقد،  

وتسمع في أذنك صدى كلمة "مستحيل" المألوف،  

فأقول لك من صميم ما اختبرت:  

لا تنتظر بطلًا يخلّصك من واقعك،  

ولا تنتظر إشارة خضراء من قناعات المحيطين بك.  

أنت صاحب الإذن لنفسك، وأنت البصيرة التي تضيء عتمة خطاك.  

أنت في الحقيقة الباب الذي تبحث عنه،  

وأنت المختبر الذي يصنع المفتاح،  

وأنت الغاية والوسيلة في آنٍ واحد.  

ابنِ عالمك الخاص، ولو بدأت بأدوات بسيطة وقليلة.  

ابنه بحجر الكرامة، وبملاط التجربة الحيّة، وبزخارف الطموح الأصيل.  

ثم اقترب من هدفك، وافتحه بقوة إدراكك قبل أن تفتحه بيدك،  

وادخل إلى واقعك الذي شيدت، ولا تلتفت إلى الوراء إلا لتقيس المسافة بينك وبين الظلام الذي غادرته.  

فالحياة، في جوهرها، لا تمنح أوسمتها إلا لأولئك الذين تجرّأوا على أن يكونوا أسياد أقدارهم،  

لا مجرد عابري سبيل في طرقات ممهّدة لغيرهم.  

وإذا ما أضاء، يومًا ما، نور من فجوة في تجربتك درب حائر آخر،  

فاعلم أنك لم تكتفِ ببناء مأوى لكيانك،  

بل شيّدت جسرًا معنويًا عبرت عليه عقول كانت تظن أن النهر بلا ضفاف.  

وهكذا، أُسدل الستار على مرايا هذا اليوم،  

وأنا مدرك تمامًا أن اللغة تظل قاصرة عن وصف لحظة الاختراق الكبرى من الداخل.  

لكنني أترك هذه السطور هنا، كأثر باقٍ على رمال الزمن،  

عسى أن تحملها رياح الوعي إلى شاطئ عقلٍ آخر.  

ليست النصيحة غايتي، بل الشهادة الحيّة هي مرادي:  

شهادة على أن أخطر القيود هي تلك التي نصوغها في وعينا،  

وأن المفاتيح تُبتكر ولا تُنتظر،  

وأن الباب الأعظم، في نهاية المطاف، لا يفصل بين مكان ومكان،  

بل بين كائنٍ كنتَه بالصدفة، وإنسانٍ تختار أن تكونه بإرادتك.  

فكن أنت البداية والنهاية،  

الباب والمفتاح،  

والرحلة التي لا تنطفئ.


بقلم:  

د. محمد شعوفي  

05 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود