حكمة السنوات المتأخرة..د. محمد شغوفي

 حكمة السنوات المتأخرة:


حين يميلُ النهارُ نحو الغروب، تكتسي الأشياءُ لوناً ذهبياً لا يراه إلا من أبطأ خطواته ليتأمل.

أمسكُ القلمَ اليومَ وكأنّي أفتحُ بابَ غرفةٍ قديمةٍ، تختبئُ فيها أسرارُ السنين وعبقُ الذكريات.

أكتبُ من أعماقِ مرحلةٍ أدركتُ فيها أنَّ الحياةَ لا تُقاسُ بعددِ الأنفاس، بل بتلك اللحظات التي تُوقفنا ذهولاً أمام عظمة الرحلة.

ليست الشيخوخة مرحلة زمنية فحسب، بل طريقة جديدة لرؤية الحياة بعد أن تهدأ الضوضاء وتتكثف المعاني.

هذه الكلماتُ ليست دفاعاً عن الشيخوخة، ولا تبكيتاً للشباب، بل هي همسٌ من روحٍ تعلّمت أن تنظرَ إلى المرآة فتجدَ في كلِّ تجعيدةٍ قصيدة، وفي كلِّ شَعرَةٍ بيضاءَ وميضَ حكمة.

أدوّنها شهادةً واعترافاً، وحبّاً للحياة نفسها، في أبهى صورها: صورة الاكتمال.

لقد استقرَّ الزمنُ على كتفيَّ اليوم كطائرٍ عجوزٍ يعرفُ طريقَ العودة إلى عشِّه، يحملُ في ريشهِ عواصفَ سَرَتْ وهدوءاً أتى.

لم أعدُ أخافُ وقعَ خطواتِه الثقيلة، ولا أتوارى من ظلِّه الطويل، بل صرتُ أسمعُ في دقَّاتِه إيقاعاً لحنْتُ أنا نفسي كلماته عبرَ السنين.

صرتُ أنظرُ إليه اليومَ بعينَيْن تفهمان سرَّه، وتريان خلفَ قسوتِه المزعومةِ رحمةً عظيمة، وقلمٍ يشهدُ على ما صنعتْه يداه بي ومعي.

وإنّي لأجزمُ أنَّ الحياةَ، لو اختُصِرت في كلمةٍ واحدة، لما كانت سوى: اللقاءات.

وجوهٌ مرَّت بي كأمواجِ بحرٍ لا يعرفُ الكلال؛ تارةً هادئةٌ تُداعبُ الشاطئَ بلطف، وتارةً عاتيةٌ تُغيّرُ ملامحَ الساحل إلى غير رجعة.

أصواتٌ استقرَّت في دهاليز الذاكرةِ كنغماتٍ سُجِّلتْ على أوتارِ القلبِ قبلَ الأذن.

آمالٌ صغيرةٌ كانت بذوراً ألقيتها في تربةِ الصِّبا بيدٍ مرتجفة، فإذا بها اليوم غاباتٌ وارفةٌ تظلِّلُ أيامي المتأخِّرة وتؤوي طيورَ أحلامٍ لغيري.

هذه اللقاءاتُ، العابرةُ منها والمصيرية، هي التي نحتتْ كياني، وهي التي علَّمتني أنَّ الشيخوخةَ ليست عقوبةَ الزمنِ الباهظة، بل هي الجائزةُ الأسمى التي يمنحُها لمن صمدَ أمامَ رياحه، وتعلَّمَ من دروسه، وأحبَّ بصدقٍ، وأخطأَ بتواضع، ثم نهضَ بإصرار.

غير أن هذه السكينة لم تأتِ بلا ثمنٍ ظاهر.

نعم، إنَّ الجسدَ يُبدي علاماتِ التعبِ، وتلك حقيقةٌ لا أتهرّبُ منها.

فالمرآةُ لم تعدْ تُرجعُ إليَّ الوجهَ الطريَّ الذي عرفتُه في ريعان العمر.

الشعرُ ينحسرُ كمدِّ البحرِ عن شاطئٍ عاشَ المدَّ والجزرَ ألفَ مرَّة، والخطى تثقلُ، واليدُ ترتجفُ أحياناً وهي ترفعُ فنجانَ قهوةِ الصباح.

لكنّي، وفي غمرةِ هذا التآكلِ الظاهريّ، اكتشفتُ سرّاً أعمقَ من قشرةِ المظهر:

إنَّ الزمنَ لا يهدمُ إلا ما كان هشّاً، أو ما بنيناه من قشورِ الأوهامِ وزيفِ المظاهر.

أما ما بناه القلبُ بالإخلاص، والعقلُ بالتأمّل، والضميرُ بالواجب، فإنه يزداد صلابةً ونقاءً مع كل إشراقةٍ جديدة، كاللؤلؤةِ التي تَصْقُلُها الأمواجُ فيصبحُ بريقُها أكثر صفاءً.

في غضونِ شبابي، كنتُ أجري وراء الأحلامِ كعدّاءٍ يتلهَّفُ لنهايةِ الشوط، أزرعُ بذوراً في كلِّ بقعةٍ من الأرض أطؤها، أحياناً بتهوُّرِ الطيش، وأحياناً بحكمةٍ ناقصة.

أما اليومَ، فأنا لا أجري؛ أنا أقفُ.

أقفُ تحتَ ظلالِ بعضِ تلك الأشجارِ التي نمَتْ، أتذوَّقُ ثمارَها التي نضجتْ بعدَ صبرٍ طويل.

أشمُّ عبيرَ زهورها التي تأخَّرتْ ولكنّها لم تتخلَّف.

أرى كيف تحوَّلتْ بذرةٌ صغيرةٌ، غرسناها ونحن لا ندري، إلى جذعٍ وارفٍ يستندُ إليه آخرون.

فهذا هو امتيازُ الشيخوخةِ الحقيقيُّ الذي لا يُنازعُ عليه:

أن ترى حصادَ ما زرعتَ، أن تلمسَ نتائجَ أفكارٍ عفويةٍ تحوَّلتْ إلى مبادئ، أن تُمسكَ بثمرةِ لطفٍ لم تكن تتوقَّعُ أن تنضج يوماً.

أن تُدركَ في سكينةٍ أنَّ بعضَ الأعمالِ الصالحةِ تستمرُّ في العطاءِ والاخضرار حتى بعدَ أن تكلَّ اليدُ عن الحرثِ والسَّقْي.

ومع السنين، تتغيّرُ عدّةُ العينِ الداخلية، فتنكسرُ الألوانُ الزائفةُ ليبقى النورُ الأصيلُ وحده.

ما كان يبدو مهماً وجوهرياً في الثلاثينيات والأربعينيات، كالمظاهر الزائلة والمناصب المتغيرة، يفقد بريقه تدريجياً حتى يصبح شفافاً لا يحجب الضوء.

ويبقى فقط جوهرُ الكينونة: علاقةٌ صادقةٌ دفَّأتْ عزلةَ ليلةٍ باردة، كلمةٌ طيّبةٌ أُلقيت في أذنٍ متلهِّفة، يدٌ امتدّتْ لمن كان يسقطُ في منحدرِ اليأس، وصلاةٌ خاشعةٌ في جوفِ الليلِ حين يخلو العالمُ إلا من همسةِ الضمير.

لقد علّمتني هذه المرحلة 

"أدب القبول":

قبولُ التجاعيد لا كندوبٍ، بل كسطورٍ مُذهَّبةٍ كُتِبت على صفحاتِ الوجهِ بحبرِ التجارب.

وقبولُ الضعفِ الجسدي كشاهدٍ على أنَّ القوةَ الحقيقيةَ تكمن في الروحِ التي ترفضُ الانكسار.

وقبولُ النهاياتِ الصغيرة كي نحتفي بالحياةِ الكبيرة التي عشناها بكلِّ اتساعها.

وأتعلم اليوم أن أبتسم لذلك الشاب الذي كنته؛ لم يكن مثالياً، لكنه كان صادق المحاولة، كثير العثرات، واسع الرجاء.

أخطاؤه لم تكن عبئاً عليّ، بل كانت الدروب التي قادتني إلى هذا الفهم الهادئ.

وهكذا تصالحتُ مع صورتي الماضية، لا لأنني أنكرها، بل لأنني أراها الآن جزءاً ضرورياً من اكتمالي.

ولستُ أرى الزمن عدواً ولا صديقاً، بل هو مرآةٌ صادقة لا تجامل، ومعلّمٌ صارم لا يُهادن.

هو شاعرٌ عظيم ينسج من خيوطِ أيامنا المتناثرة قصائدَ ملحمية لا نفهم إيقاعها إلا ونحن نهمُّ بالخروج من مسرحها.

من يصالح الزمن يصالح ذاتَه الأزلية، ومن يحترم تسلسل الفصول في حياته يجد في خريف العمر سكينةً لا يعرفها ربيع الصبا.

للشيخوخة صوتٌ آخر، هو صوت الصمت الناطق. 

صمتٌ ليس فراغاً، بل امتلاءٌ بما لا تحمله الكلمات.

إنه الصمت الذي يعلّمك أن تُصغي إلى حفيف أوراق الذاكرة، وصدى خطوات الأحبة الذين رحلوا وبقي حضورهم دافئاً في الزوايا.

لذا فالشيخوخة ليست نهاية الطريق، بل قمّةٌ مرتفعة تتيح للمسافر أن ينظر إلى الوراء ويرى المسافة التي قطعها بوضوح.

هي اللحظة التي نُهدي فيها للأجيال القادمة كنزاً لا يفنى: الذاكرة الحيّة، والحكمة المُختَبَرة، والإيمان الهادئ الذي صمد أمام عواصف الشك.

وهكذا أفهم اليوم أن العمر لا يُقاس بما مضى منه، بل بما استقرّ فينا منه.

ما يبقى ليس عدد السنين، بل مقدار النور الذي تعلّمنا أن نحمله ونمنحه للغير.

فإذا كان للجسد أن يهدأ، فإن المعنى يظل يقظاً، وإذا توقّف القلم يوماً، فالحكمة التي خُلقت من التجربة تواصل الكتابة في حياة الآخرين.

ذلك هو الاكتمال الهادئ الذي تهبه السنوات لمن يصادقها.


بقلم:

د. محمد شعوفي

09 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود