هروب اللحظة: رمضان ومِعراج الوعي...د. محمد شعوفي
هروب اللحظة:
رمضان ومِعراج الوعي.
يأتي رمضان كنافذة على الذات، يفتحها الإنسان ليطل من خلالها على معنى الحياة، فيرى هشاشتها وقوتها في آن واحد.
مضت ثلاثة أيام، وكأنها ساعة من نهار.
وعلى أعتاب اليوم الثالث، أقف متأملاً كيف يهرب الوقت من بين أيدينا، وكيف يتهادى الهلال في سماء الروح ليذكرنا بأننا في سباق مع ذواتنا.
لقد عبرنا البدايات، ونحن الآن في قلب المحطة الوجودية الكبرى، حيث نواجه حقيقة أن الزمن ليس ملكاً لنا، بل هو وديعة توشك أن تُرد.
فهل بدأنا حقاً بالارتفاع عن جاذبية الطين لنرى الحياة بمنظور رائد الفضاء الذي يدرك حقيقة الوجود الواحدة خلف سحب الغفلة؟
في هذه الساعات التي تتفلت منا، أشعر بأن الجسد والروح يشرعان في اكتساء حلة بهية، مدفوعين بشغف الساعي نحو ما هو أسمى وأبقى.
إنها رحلة بدأت ولن تتوقف عند حدود الامتناع عن الطعام والشراب، بل هي غوصٌ مستمر في أغوار الذات، واكتشافٌ لأبعاد علاقتنا مع الخالق ومع هذا الكوكب الهش.
الصيام الذي نمارسه الآن ليس قيداً، بل هو انعتاق وتطهير للحواس من ضجيج الاستهلاك الذي أرهقنا طوال العام.
فكيف يمكن لهذه اللحظات الهاربة أن تعيد ضبط بوصلة أرواحنا نحو الاعتدال والسكينة؟
ما أجمل أن نتأمل معنى السعي الحقيقي ونحن في خضم هذا الشهر الفضيل.
إنه ليس ركضاً خلف سراب، بل هو انخراط كامل في جوهر الحياة، حيث تتحول كل سجدة وكل كلمة طيبة إلى لبنة في بناء إنسانية أكثر صدقاً.
أجدني الآن أحارب فخ المؤجل؛ ذلك الشَّرك الذي يوهمنا بأن الوقت طوع بناننا، فنتدارك العناق والاعتذار والجوهر قبل فوات الأوان.
إنه سعيٌ يدفعنا للتخلص من العادات البالية، وتوسيع دائرة العطاء لتشمل كل طاقم هذه السفينة الكونية التي نبحر فيها.
ولعل أعظم ما يوقظه فينا رمضان الآن هو أثره الشامل على تفاصيل عيشنا.
فهو يعلمنا الاقتصاد المقدس في الموارد، ويهمس في آذاننا بدروس الاستدامة والحفاظ على البيئة كأمانة غالية.
كما يعزز وعينا بالصحة النفسية، فيمنحنا ثبات الرائد في مواجهة عواصف الحياة، ويريق في أرواحنا الأمل بأن كل عثرة هي فرصة لنهوضٍ أقوى.
فهل استشعرنا في جوعنا وعطشنا ذلك التوازن الذي يربط بين نداء الأرض وسمو السماء؟
لا يخلو طريقنا بطبيعة الحال من تعثرات، فربما لم نحقق في الأيام الأولى كل ما نوينا، وربما فترت عزيمتنا قليلاً.
لكننا في مدرسة رمضان نتعلم أن الفشل ليس نهاية، بل هو جزء من عملية التطور والارتقاء.
حين نخطئ أو نقصر، نتذكر أن الله سبحانه يثيب على صدق المحاولة، ويجعل الجهد بذاته هو القيمة الحقيقية للمسار.
فالجزاء الإلهي يفيض دائماً عن حدود تصورنا البشري، ما دامت النية معلقة بوجهه الكريم.
إن ما يمنح هذه الأيام معناها العميق هو ذاك الربط الوثيق بين سعي الدنيا وسعي الآخرة.
نحن الآن لا نجمع حسنات عابرة، بل نبني قاعدة نورانية لوجودنا في الحياة الأبدية.
كل صلاة تراويح، وكل صدقة خفية، هي إعداد لزاد السفر الطويل، ليكون خفيفاً من أثقال الأنانية، ثقيلاً بأعمال الرحمة.
كأننا ننسج الآن خيوطاً تصل بين الأرض والسماء، لتكون لنا نوراً يضيء عتمة المسافات والسنوات.
إن رمضان يذكرنا اليوم بأن السعي الحقيقي هو مزيج من الصبر والرجاء، والتواضع واليقين.
وكما تضاء ليالينا بالقرآن الكريم ، يجب أن تضاء أيامنا بالعمل الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.
لذا، أدعوك وأدعو نفسي، ونحن في اليوم الثالث، ألا نجعل رمضان محطة عابرة، بل منهاج حياة يستقر في الوجدان.
فلننظر إلى من حولنا بعين رائد الفضاء؛ نرى الجمال، نتجاوز العيوب، وندرك أننا جميعاً عابرو سبيل.
فالسعي ليس غاية تنتهي بانتهاء الشهر، بل هو بزوغ دائم لعالم مليء بالأمل.
وما أروعها من رحلة حين تمتد كخيط نور ينسج أيام عمرنا كلها، فيبقى القلب معلقاً بتلك السكينة.
عش رمضانك الآن كأنه ارتشافة وجدانية خالدة، وكأنك ترى الأرض لأول مرة من أفق اليقين؛ حيث تتصاغر الدنيا بكل ضجيجها، وتتجلى الحقيقة في أبهى صورها:
أننا من الله، وبالله، وإلى الله.
ففي هذا الوعي، لا يتحرر القلب من ثقل التأجيل فحسب، بل ينعتق من قيود الزمان ليدخل في رحاب الأبدية، ويولد الإنسان من جديد مستعيداً أثمن ما يملك: إنسانيته التي تبصر الجمال في الصغير، والقدسية في العابر.
ليتنا لا نهبط من مدار رمضان إلا وقد تعاهدنا أن نُبقي ذاك الخيط الأزرق النحيل خيط الرحمة ممدوداً بيننا وبين عباد الله، فلا نعود أبداً لما كنا عليه من غفلة، بل نعيش كمن رأى الحق بقلبه، فاستغنى بالباقي عن الفاني.
فإذا كانت اللحظة تهرب، فليكن هروبها إليه.
وإذا كان العمر ينقضي، فليكن انقضاؤه في نوره.
بقلم:
د. محمد شعوفي
20 فبراير 2026 / 3 رمضان
تعليقات
إرسال تعليق