ميثاق الأصالة: مرافعة ضد زمن النسخ...د. محمد شعوفي

 ميثاق الأصالة:

مرافعة ضد زمن النسخ.  


هذا النص ليس مجرد بوح فردي، بل مرافعة وجودية ضد زمنٍ يستهلك الأصوات ويحوّلها إلى نسخٍ متكررة.  

أكتب هذه الكلمات موقنًا أنني أحمل في صدري عالمًا لا تتقاطع مداراته مع العوالم المكررة.  

أحمل فيه قلق الوجود وحنين الجذور الضاربة في العمق، وأنظر بعينين لا تبصران الحدود إلا لترسما فوقها جسورًا للعبور.  

لست هنا لأستجدي شبهاً بأحد، ولا لأسترضي أولئك الذين يحرسون أقفاص الأنماط الجاهزة.  

أنا الكائن الذي ينصت لنداء الصدق قبل أن ينطق باللسان، ويرى بملء البصيرة ما تعجز عن إدراكه حدقات العيون.  

فاقبلوا دعوة إلى مداري الخاص، أو اتركوها؛ فأنا في كلتا الحالتين سائر على درب الحقيقة التي لا تعرف الالتفات.  

أنا المختلف، وفي كسر القالب يكمن كنزي الأسمى.  

صوتي قد يبدو غريبًا في آذانٍ أدمنت الضجيج المألوف، لكنني لا أكتب لأُفهم من الجميع، بل لأبقى وفيًا لنبضي الأول.  

أكتب لأهمس في أذن كل من يشعر بالعزلة داخل عالمه: 

إن اختلافك هو أصدق برهان على نبالة جوهرك.  

أتحدث إلى صمت الكائنات كأنها مستودع أسراري.  

أحاور النجوم عن معنى الوجع ونشوة الانطلاق.  

وأقف طويلًا أمام شجرة عتيقة، أصغي إلى حكايات الزمن الذي لم أعشه.  

أستنطق الريح حين يضيق اللسان ببيانه، فيظنني العابرون غريب أطوار.  

وأنا أبتسم في سري؛ لأنني أدرك أن مسلكي هذا هو ذروة الحرية الوجودية.  

حرية أن أظل وفيًا للفطرة التي وُجدت عليها، دون أن أرتدي قناعًا يرضي الآخرين ويثقل كاهل روحي.  

أفضل ضوء القمر الهادئ على بريق الشاشات الاصطناعي.  

وأجد في قطرة مطر تتدحرج على ورقة شجر قصيدة كاملة المعنى.  

أرى في تشكيلات السحاب وجوهًا وقصصًا لم تُروَ بعد.  

أغني وحدي بلا سبب، وأمشي تحت المطر كأن الطبيعة تحتفي بوجودي.  

لا أبحث عن أوسمة القبول الزائف، ولا عن رضا معايير تقنية تريدني نسخة في قطيع.  

أثق بحدسي حين يخذلني المنطق الجاف الذي لا يجيد إلا القياس والحساب.  

أجد كنوزي في التفاصيل التي يتجاوزها العابرون:  

في وقع خطى طفل على الطريق.  

في تنفس الأرض بعد غيث مفاجئ.  

في نظرة كائن صامت يبحث عن مأوى من القسوة.  

ربما يقولون: "هذا الرجل غريب الأطوار".  

وأقول: "هذا الرجل يرفض أن يخون ذاته".  

الاختلاف ليس نقصًا، بل هو الحصن الوحيد الذي لا تطاله يد السطو.  

إنه الشاهد على أنني لم أسلم مفاتيح عقلي للنماذج الجامدة، ولم أبع إنسانيتي مقابل رضا اجتماعي عابر.  

ما يسمونه "غرابة" هو في الحقيقة استشعار فائق لنبض الحياة، وانسجام مع الحقيقة التي لا تُبصر بغير الروح.  

لست شراعًا يتبع كل ريح، بل قنديل أعماق يضيء من ذاته كلما اشتد الظلام.  

لا أدعي امتلاك الطرق كلها، لكني أشهد أن جمال الحياة يكمن في الجرأة على أن نكون أنفسنا.  

العالم لا يحتاج إلى نسخ مكررة، بل يحتاج إلى أرواح تملك شجاعة التجلي.  

أرواح تتأمل سعة الكون، وتظل وفية لما أودع فيها من حس وشوق للأصيل.  

فاستمروا في اختلافكم النبيل.  

واصلوا الحديث مع الغيم، والمشي في دروب المطر، والإصغاء لموسيقى الريح.  

رؤية الجمال في الأشياء البسيطة هي التي تمنح هذا العالم عمقه ومعناه.  

هكذا أكون، وهكذا سأبقى؛ لست وهمًا عابرًا، بل يقين يمشي على الأرض وعقلي يعانق الأفق.  

استقر في صمتك لتسمع لحنك المتفرد، وانظر بعين روحك لترى العالم بوضوح أكبر.  

لا تخشَ الغربة، فالنبات الأصيل لا ينمو إلا في تربته الخاصة.  

واذكر دائمًا: أن الذين أضافوا للحياة معنى جديدًا لم يأتوا ليشبهوها، بل ليذكروها بجمال التنوع وقيمة الفرادة.  

ابقَ مختلفًا؛ ففي تميزك حماية للجمال، وفي صدقك رسالة باقية للوجود. 

 فلتكن فرادتنا ميثاقًا للأصالة، لا استثناءً عابرًا، ولتكن اختلافاتنا شهادةً على أن الحياة لا تزدهر إلا بالتنوع.  

إن الأصالة ليست ترفًا فرديًا، بل هي مسؤولية جماعية تُذكّر العالم أن كل روح وُجدت لتضيف نغمةً جديدة في ملحمة  الوجود.  

فمن يصرّ على أن يكون نفسه، يمنح الآخرين شجاعة أن يكونوا أنفسهم، ويعيد للحياة معناها الأصيل الذي لا يُستنسخ. 


بقلم:  

د. محمد شعوفي  

03 فبراير 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود