الطريق الذي لا يراه أحد ..د. محمد شعوفي
الطريق الذي لا يراه أحد
في عالم يزدحم بالضجيج، ثمة طرق لا تُرى إلا بالعين الداخلية.
هذه ليست قصة انتصار، بل حكاية إنصات.
لطالما كان العالم صاخباً بما يكفي ليصمّ آذاننا عن سماع أنفسنا.
وكانت الوجوه التي نرتديها أثقل من ملامحنا الحقيقية.
لكن ثمة لحظة فاصلة، ينكفئ فيها الإنسان على روحه، لا هروباً من الواقع، بل بحثاً عن الحقيقة التي ضاعت في زحام التوقعات.
هذه الكلمات ليست تنظيراً، بل آثار أقدام لمسافر قرر أن يترك الرصيف المزدحم ليمشي وحيداً في ممراته الداخلية.
منذ أن أدركتُ أن الأصوات التي تضج حولي ليست بالضرورة صدى للحقيقة، بدأتُ أشدّ رحالي صوب ذلك العمق الساكن في روحي.
هناك، في تلك البقعة التي لم تلوّثها أحكام الآخرين، بدأت رحلتي مع الذات.
كيف أصغي إلى همس كياني؟
وكيف أترجم ذلك الهمس إلى خطوات لا تُرى، لكنها تغيّر ملامح الوجود في داخلي؟
هذه ليست خطبة من فوق منبر، بل اعترافات عابر أدرك أن الوجهة الحقيقية ليست مكاناً نصل إليه، بل هي الطريقة التي نمشي بها نحو الداخل.
في سكون الليل، حين ينفض العالم عن كتفيه عبء النهار، أقف وحدي أمام سريرتي مكشوفةً.
لا جمهور يصفّق، ولا مرآة ترد إلي صورة زائفة رسمتها مخيلة المجتمع.
هناك أدركت أن ما كنت أظنه قوةً في الخارج لم يكن سوى ظل طويل لشجرة واهنة.
فهل تُبنى القوة من تصفيقات عابرة؟
أم تنبع من يقين داخلي لا يخضع لاستفتاء أحد؟
طالما ظننت أن السعادة تكمن في نظرات الإعجاب التي تطاردني، حتى اكتشفت أنني كنت ألهث وراء سراب.
كم من حلم حقيقي دفنته تحت أكوام التوقعات الاجتماعية؟
واليوم، وأنا أحدّق في مرآة الصدق، أعترف أنني كنت أبحث عن نفسي في أماكن لا تسكنها الأرواح، بل تسكنها الصور التي تبهت مع أول مطرة حزن.
إن الذات الحقيقية لا تُصنع في المعامل الجماعية.
هي جوهرة خام، لا يصقلها إلا الصمت والتأمل والتجربة.
كلما صمتُّ أكثر، سمعتُ صوتي الداخلي أوضح.
وفي هذه العزلة المنتجة، أبني مملكتي لا من رخام الغرور، بل من طين الصدق وخشب التجارب المتواضع.
ليس هذا الطريق ممهداً، بل تحفه أشواك الخيبة.
وتعلّمت في زوايا الإخفاق أن القوة الحقيقية ليست في تجنب السقوط، بل في قرار النهوض كل صباح.
لماذا ننهض؟
ليس لأن أحداً يراقبنا، بل لأننا قطعنا وعداً مع أنفسنا أن نكون أكثر وعياً مما كنا بالأمس.
تأتي المصاعب لتحفر في كياني أخاديد عميقة، تمنحني مساحة أوسع للحياة.
فالنهر لا يصبح عظيماً إلا حين تعترض الصخور طريقه.
والعقبات ليست نهاية، بل هي منحنيات تصوغ مجرى الحياة.
علّمتني الهزائم أن أخلع عباءة الكمال المتخيَّل، وأرتدي ثوب الإنسانية البسيط.
أما الخسارات، فكانت زاداً في رصيد الروح.
حين خسرتُ بعض الأوهام، ربحتُ رؤية الحقيقة أكثر صفاءً.
لم يعد المضي قدماً خياراً، بل صار موقفاً أعتنقه بملء إرادتي.
أنا لا أسير لأن الطريق مفتوح، بل لأن التوقف جمود لا يليق بروحي.
لا أبحث عن الوصول، فالوصول نهاية، وأنا أعشق البدايات المتجددة.
أنساب مع مجريات الأيام كالنهر؛ في حركتي تدفّق وبناء، وفي سكوني صفاء وانعكاس.
أحاكي الطبيعة في دورتها؛
فجهدي ثمر ينمو، وهدوئي جذر يترسخ.
أيها القارئ، لا أدعوك لتقفو أثري، فلكل روح طريقها الذي لا يراه أحد.
لكنني أدعوك أن تخلع عن كاهلك عبء إرضاء العالم، وأن تصغي إلى ذلك الصوت الخافت في داخلك.
فالسعادة ليست محطة، بل فنّ السفر.
لقد جعلتُ من أيامي رحلة اتزان؛
في قلب الضجيج كنت أبني أثراً يبقى،
وفي لجّة السكون كنت أربي روحاً ترى.
هذا التناغم قادني إلى صفاء لم أعهدْه، فمضيت مستدلاً بنور بصيرتي نحو تلك الزاوية القصية من الوعي.
هناك… حيث يتكلم الصمت وتنكشف القوة في هيئة ضعف،
وجدتُ ذاتي تنتظرني، لا لتسألني أين كنت، بل لتقول بهدوء:
الآن… بدأت الرحلة.
فالرحلة ليست ملكي وحدي،
بل هي دعوة لكل روح أن تبدأ مسيرتها الخاصة نحو ذاتها.
بقلم:
د. محمد شعوفي
12 فبراير 2026
تعليقات
إرسال تعليق