معراج الوديان جدلية السقوط والسمو. ..د. محمد الشعوفي
معراج الوديان
جدلية السقوط والسمو.
هذا النص ليس تأملًا عابرًا، بل شهادة على أن الانكسار ليس نهاية، بل بداية لمعراجٍ جديد، حيث تتحول الجراح إلى أبوابٍ للمعرفة، والوديان إلى مختبراتٍ للصدق.
أقف اليوم أمام الحياة، لا كفاتحٍ لأسوارها، بل كمن يحاول فكَّ شفرة كتابٍ غامضٍ خُطّت حروفه بمداد الصمت ونبض الألم.
لغة لا تتقنها الألسن، بل تعيشها الأرواح في ممرّات الانتظار ومباغتات القدر.
في أعماق كل وادٍ سحيقٍ نزلتُه، كان يكمن سرُّ القمة التي سأبلغها.
وكأنني كلما أوغلت في القاع كنت أضع حجر الأساس لارتفاعٍ شاهقٍ لم أكن لأتصوره وأنا أسير على رصيف السهل الرتيب.
لقد ظننت مرارًا أنني أدركت كُنه الوجود وأحكمت قبضتي على مقاليده.
حتى تباغتني لحظة مفصلية تبعثر أوراقي، وتعيد ترتيب أولوياتي، فأجدني من جديد تلميذًا حافي القدمين في رحاب المجهول.
أتعلم أن العلم الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالجهل أمام عظمة التحولات؟
فمن أنا؟
وماذا تريد مني هذه الدهشة القاسية؟
حين تنطوي الأرض بما رحبت، ويرحل من ظنناهم الأبد، أو تتهاوى قلاع الأمان الزائف تحت أقدامنا، يهمس الشيطان القابع في زوايا النفس المكسورة بكذبة قديمة:
«هذا هو المنتهى، والقاع الذي لا قيامة بعده».
لكن الزمن، ذلك المعلم الرزين الذي لا يداهن أحدًا، كان يهمس في أذني بحقيقة أسمى.
فما إن يهدأ ضجيج الانهيار وينقشع غبار الصدمة، حتى تبدأ ملامح الحكمة بالتشكل من بين ثنايا الجرح.
أدركت حينها أن كل وادٍ عبرتُه لم يكن قبرًا لأحلامي، بل كان رحمًا إجباريًا لولادة نسخة أشد صلابة مني.
فالعظمة لا تُسبك في قوالب الراحة والرخاء، بل تُنحت بأزاميل المحن فوق أنقاض ما كنا نظنه ذواتنا، لنبني كيانًا جذوره في الصبر وفروعه في اليقين.
إن تلك الخسارات التي تمزق نياط القلب، والوداع الذي يقتطع أجزاءً من الروح، ليست عقوبات قدرية، بل دعوات صريحة للترقي.
إنها تسلط الضوء على مواطن الهشاشة التي جفونا عن رؤيتها، وتمنحنا الفرصة لنحيل الضعف قوةً تضيء عتماتنا.
اليوم، وبعد رحلة طويلة من السقوط المدوّي والنهوض المظفّر، صرت أرى في ودياني مدارس صامتة.
علمتني أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالقمم التي تربع عليها، بل بمدى شجاعته في النزول إلى الأعماق دون أن يفقد بريق الأمل في عينيه.
وبقدرته الفائقة على تحويل الندوب إلى نور يهتدي به السائرون في التيه.
وفي منتصف هذا الدرب الوعر، أدركت أن أشد اللحظات عتمة هي تلك التي تسبق انفلاق الفجر من قلب الصخر.
إن الوديان ليست سجونًا، بل مختبرات الصدق؛ هناك حيث تسقط الأقنعة ولا يتبقى سوى جوهر الروح مجردًا من كل زينة زائفة.
فالحياة لا تعطي أسرارها للواقفين على الضفاف، بل لمن غاصوا في لجج الشدائد وعادوا بآلئ الحكمة.
إنني اليوم لا أرجو حياة بلا أودية، بل أرجو نفسًا لا تكسرها المنحدرات، وقلبًا يعرف أن الله حين يضعنا في المضائق، إنما ليختبر قدرتنا على الاتساع.
فيا أيها السائر في ظلال واديك، لا تطل النظر إلى الأسفل فتتعثر، بل انظر إلى عمق الجرح في كفك، فمنه سينبثق الضياء.
إن معراجنا نحو السماء يبدأ دائمًا بجدلية السقوط والقيام.
فلا تخشَ العمق، فما كان الوادي يومًا إلا سُلّمًا خفيًا نحو قمة تنتظر خطاك.
فلتكن لنا الشجاعة أن ننزل بوعي، والصبر أن نصعد بيقين، والحب أن نتقبل الرحلة بكل تضاريسها، مؤمنين أن خريطة النور لا تكتمل إلا بظلال الأودية.
فليكن الوادي معراجًا، والانكسار سُلّمًا، والرحلة شهادةً على أن الإنسان يولد من جديد كلما سقط وقام.
ولْيكن معراجُ الوديان درسًا للأمة كما هو شهادة للفرد؛ إذ لا يكتمل نورُ الإنسان إلا حين يُدرك أن سقوطه جزء من نهوض الجماعة، وأن جراحه ليست ندوبًا معزولة بل خرائطُ طريقٍ نحو الحرية والكرامة.
هكذا يصبح الانكسارُ لغةً مشتركة، والسموُّ وعدًا جماعيًا، لتغدو رحلةُ الفرد مرآةً لرحلة الإنسانية في بحثها الأبدي عن الصدق والجمال.
بقلم:
د. محمد شعوفي
02 فبراير 2026
تعليقات
إرسال تعليق