الولادة الثانية: من البياض إلى النور..د. محمد شعوفي
الولادة الثانية:
من البياض إلى النور.
في البدء، كان البياض وعدًا مفتوحًا.
صفحة لم تُخطّ بعد، ومساحة لم تُملأ بالمداد ولا بالتجارب.
ومن هذا البياض بدأت رحلتي مع الوجود، رحلةً لم أعرف لها اسمًا، لكني شعرت باتساعها ودهشتها.
أيُّ سرٍّ يحمله أول نفسٍ أستنشقه؟
وأيُّ لغزٍ تختزله صرختي الأولى حين أخرج من رحمٍ ضيق إلى رحابة الدنيا؟
أسئلة كبرى تظل معلقة في فضاء الدهشة، ولا جواب لها سوى أني أبدأ كما يبدأ النهر من منبعه:
قطرةً قطرة، ثم جدولاً صغيرًا، ثم نهراً يجري في ممرات الزمن فلا يعود.
ولدتُ فارغًا، بلا خرائط ولا أسماء، كصفحة بيضاء لم تُمسّ بعد.
أفتح عينيّ على عالم يضج بالأصوات والألوان، ولا أملك سوى غريزة بسيطة تدفعني إلى البكاء طلبًا للدفء والغذاء.
ذلك الفراغ لم يكن نقصًا، بل كان أعظم منحة: أن يُكتب مصير الإنسان بيده، لا بوراثة جبرية ولا بقدرٍ ساكن.
كل خطوة صغيرة كانت انتصارًا على الجاذبية، وكل سقوط درسًا يُكتب على ركبتيّ جرحًا صغيرًا وفي قلبي يقينًا كبيرًا.
كنت أتألم فلا أيأس، وأتعثر فلا أستسلم، لأن في داخلي نداءً غامضًا يهمس:
إن النهوض هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القدر.
ثم جاءت الكلمة، وأولها "أم"، فانفتحت أبواب الوعي كما تنفتح أبواب الجنان.
تعلمت أن اللغة ليست مجرد أصوات، بل جسد ثانٍ أفكر به وأحلم من خلاله.
ومع الأيام، صارت الكلمات أجنحة أطير بها إلى عقول الآخرين.
في طفولتي، كانت الطبيعة هي المعلم الأول.
كنت أتعلم من الشجرة معنى الثبات، ومن الطيور معنى الحرية، ومن تعاقب الفصول معنى الزمن الذي لا يتوقف.
كل زهرة كانت كتابًا صغيرًا يعلمني أن الجمال لا يحتاج إلى تفسير، وكل غروب كان درسًا في أن النهاية ليست موتًا بل بداية لنهار جديد.
الطفولة لم تكن مجرد عمر قصير، بل كانت مرآةً للبراءة التي تذكّرني أن الإنسان يولد دومًا قابلاً للنقاء، وأن الزمن ليس عدوًا، بل رفيقًا يختبر صبرنا ويصقل أرواحنا.
لكنني اكتشفت أن العالم لا يُقرأ بالحروف وحدها، بل بالتجارب التي تهز الكيان وتصقل الروح.
فالخبرة هي المعلم الحقيقي، والكتب مجرد أصداء لخطوات الآخرين.
كل نجاح يُضيء في داخلي شمعة، وكل خسارة تُعلّمني كيف أُشعل شمعة أخرى بدل البكاء على المنطفئة.
ومع كل تجربة، تراكمت في داخلي طبقات الوعي كما تتراكم حلقات الشجرة تحت لحائها.
كنت أريد لصفحتي أن تمتلئ، لا بالمداد البارد، بل بعرق الجبين ودموع التجربة المريرة.
وهكذا تحولت الصفحة البيضاء تدريجيًا إلى سيرة مكتوبة بكل خلية من خلايا جسدي.
وفجأة، بعد تراكم طويل من الجهد الصامت، ينبثق ما يسميه الناس معجزة: ابتكار، أو قصيدة، أو فكرة تُحرّر العقول.
لكنني أعلم يقينًا أنها ليست معجزة فجائية، بل هي الولادة الثانية.
هي ولادة العبقرية التي نضجت في صمت السنين وتحت مطر المعاناة، كما ينضج العنب ليصير عصيرًا فائقًا.
هناك ولدتُ من رحم أمي.
وهنا أولد من رحم طموحي.
هناك كنتُ مجرد إمكانية.
وهنا صرتُ فعلاً متجسدًا.
هناك كنتُ بذرة.
وهنا صرتُ شجرةً تطرح ثمراً يقتات عليه العابرون.
العبقرية لا تُورث ولا تُصطاد بالصدفة، بل تُصنع في مختبر الروح، وبمطرقة الإرادة وسندان الصبر.
وإذا كان الجسد يذبل بفعل الزمن، فإن العبقرية تتفتح كالورد في خريف العمر.
فالروح لا تشيخ، والولادة الثانية لا تعرف سن التقاعد.
إنني لا أكتب لأحفظ اسمي فحسب، بل لأثبت أن الفراغ يمكن أن يمتلئ بالضوء، وأن العدم يمكن أن يلد وجودًا لا ينتهي بانتهاء الأنفاس.
فالفراغ الذي بدأنا به كان وعدًا، والولادة الثانية هي تحقيق ذلك الوعد.
فلتكن صفحاتنا منيرة، ولتكن ولادتنا الثانية هي الأبدية التي نصنعها بأيدينا.
فالولادة الثانية ليست حدثًا عابرًا، بل هي وعد الأبدية الذي نصنعه بأيدينا.
بقلم:
د. محمد شعوفي
14 فبراير 2026
تعليقات
إرسال تعليق