شاهدتها بعد طول غياب..جمال الشلالدة

 شاهدتها بعد طول غياب

لم أكن أبحث عنها

ولا كان قلبي مستعدًا لزلزالٍ قديم

كنت أمشي في السوق كأيِّ رجلٍ أنهكه النهار

أحمل قائمةً صغيرة لبيتي

وأفكارًا أكبر من قدرتي على الاحتمال

الوجوه تمرُّ أمامي كصفحاتٍ باهتة

والأصوات تختلط كأمواجٍ لا تهدأ

وفجأةً…

توقّف الزمن عند زاوية عيني

رأيتها

كانت تقف قرب بائع الفاكهة

تساومه بابتسامةٍ أعرفها

ابتسامةٍ كانت يومًا وطنًا لقلبي

وبجانبها طفلان

يتشبثان بطرف عباءتها

كغصنين صغيرين من شجرة عمرها

لم أعرف أأفرح أم أهرب

أأصرخ باسمها كما كنت أفعل

أم أبتلع اسمي كي لا يفضحني

كبرت قليلًا… نعم

لكن عينيها

رأيتها بعد طول غياب


ما زالتا تحملان ذات الندى

ذات الارتباك الجميل

حين كانت تخجل من نظرةٍ طويلة

التفتت نحوي

وكأن قلبها دلّها عليّ

فالتقت أعيننا

وكان اللقاء أشبه بصاعقةٍ صامتة

لم تقل شيئًا

لكنني قرأت في عينيها

كتبًا كاملة من الحنين

ورأيتُ صورنا القديمة

تمشي بيننا كأشباحٍ لطيفة

اقتربتُ خطوة

وتراجعتُ خطوة

فأنا الآن رجلٌ متزوج

وهي أمٌّ لطفلين

والأقدار لا تعيد عقاربها للوراء

قالت بصوتٍ خافت

"كيف حالك؟"

وكأنها تسأل عن عمرٍ ضاع

لا عن يومٍ مضى

أجبتُها بكلماتٍ قصيرة

لكن قلبي كان يصرخ

أنا بخير…

وأنا لستُ بخير

أنا حيٌّ…

لكن شيئًا مني مات يوم رحلتِ

نظر الطفلان إليّ

ببراءةٍ لا تعرف قصتنا

ولا تعرف أنني كنت يومًا

أحلم بأطفالٍ يشبهون عينيها

ابتسمتُ لهما

كما يبتسم غريبٌ مهذّب

وأخفيتُ في صدري

أبًا لم يُكتب له أن يكون

ضحكت هي قليلًا

ضحكةً حاولت أن تجعلها عادية

لكن ارتجافها كان يفضحها

كما كانت تفعل قديمًا

حين تخونها مشاعرها

سألتني عن عملي

وسألتها عن حياتها

حوارٌ قصير

بين قلبين يعرفان كل التفاصيل

ولا يجرؤان على قول الحقيقة

مرَّ زوجها من بعيد

ينادي أحد الطفلين

فأحنيتُ رأسي احترامًا

وأحنت رأسها ألمًا

لم يكن في الموقف خيانة

ولا رغبةٌ في العودة

كان مجرد لقاءٍ

بين زمنين تصافحا ثم افترقا

قالت قبل أن ترحل

"سعيدةٌ أنني رأيتك"

وكانت الكلمة

دمعةً مؤجلة في عينيها

قلتُ لها

"وأنا أيضًا"

لكن صوتي انكسر

ككأسٍ سقط من يد الذكرى

مضت وهي تمسك بطفليها

كما تمسك الحياة بأيامها الجديدة

ومضيتُ أنا

أحمل في صدري

مدينةً قديمة أعيد بناؤها من الحنين

في تلك الليلة

عدتُ إلى بيتي

جلستُ قرب أطفالي

أنظر إلى ملامحهم

وأدركتُ أن لكل حبٍّ

قدرًا مختلفًا

بكيتُ بصمت

لا عليها

ولا على نفسي

بل على تلك البراءة

التي كانت بيننا

حين كنا نظن أن الحب يكفي

شاهدتها بعد طول غياب

فلم يعد الماضي ماضيًا

ولا الحاضر حاضرًا

بل صار قلبي

جسرًا بين احتمالين

هي هناك

في بيتها

تغفو قرب طفليها

وأنا هنا

أخبئ صورتها

بين صفحات العمر

لم نخسر كل شيء

ولم نربح كل شيء

لكننا تعلمنا

أن بعض اللقاءات

تبكي الحجر

وتترك في الروح

فرحًا موجعًا

يشبه المطر

حين يسقط على أرضٍ

لم تعد تنتظر الربيع


بقلم  :  جمال الشلالدة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش