قيدُ السكوت وفضاءُ المكاشفة..د. محمد شعوفي

 قيدُ السكوت وفضاءُ المكاشفة

​بين ما نكتمه خوفاً، وما نقوله شجاعةً، تتحدد ملامح أعمارنا الخفية.

هناك، في المسافة الصامتة بين القلب واللسان، تتشكل أعقد صراعاتنا وأصدقها.

منذ فجر وعيي، توهمتُ أن الصمت حصنٌ حصين، وملاذٌ ألجأ إليه كلما تلاطمت أمواج الكلام.

كنتُ أحسب أن حبس الكلمات في زنزانة الصدر أسلمُ للقلب وأبقى للمودة، وأن النطق قد يفتح ثغرةً في جدار العلاقات لا تُسد.

كم كان وهمي كبيراً!

​أدركتُ الآن أن ذلك الصمت الذي ظننته درعاً، لم يكن سوى خديعةٍ رقيقة نحتمي بها من هجير المواجهة.

أحتفظ به لأحمي توازناً هشاً، متجنباً انكساراً قد تسببه الحقيقة الجارحة.

ولكن، مع تعاقب الأيام، لم يرحل هذا الصمت؛ بل استحال حجراً صلداً يجثم على أنفاسي، يزداد ثقلاً حتى صار أشد وطأة من الحقائق التي واريته خلفها، وأكثر إيلاماً من الجراح التي خشيتُ نكأها.

​يا للمفارقة العجيبة!

كيف نخشى كلمةً يستغرق نطقها دقيقة، فنحمل عبء سكوتنا لسنوات؟

لماذا نهرب من لحظة مواجهة عابرة، لنقضي عمراً في المداراة والمراوغة؟

أوَنختارُ حقاً الألم المزمن على الوجع الخاطف؟

وهل نُفضلُ سمَّ الصمت البطيء على ترياق الحق المرّ؟

لقد علمتُ يقيناً أن الصمت ليس فراغاً، بل هو كيانٌ له ثقل، وله ظلالٌ موحشة، وجراحٌ لا تراها العين.

​لقد أرجأتُ أحاديث جوهرية لسنوات، لا لشيء إلا لأنها تلمسُ مكامن الخطر في الروح.

أرجأتُ قولة "لا"، وإعلان الخيبة، ورسم الحدود، والاعتراف بالوجع الذي تراكم كالغبار فوق مرآة النفس.

فماذا يحدث لتلك الكلمات الموؤودة؟

أين تمضي حين نكتمها؟

هل تتلاشى كالدخان في الفضاء؟

إن الكلمات المكبوتة لا تموت أبداً، بل تحفر لنفسها مساراتٍ سرية في أجسادنا وأرواحةنا.

تتحول إلى كوابيس تؤرق المنام، أو أوجاع جسدية مجهولة النسب، أو نوبات غضبٍ تنفجر في وجه أتفه الأسباب.

إنها تنتقم لكرامتها لأننا حرمناها حقها في الضوء والظهور.

​كنتُ أهابُ الجرح، وأخشى الفقد، وأرتعبُ من تبدل الملامح بعد أول كلمة "مكشوفة".

فأوهمتُ نفسي أن الزمن كفيلٌ بالترميم، وأن السكوت حكمةٌ تداوي ما لا تداويه المواجهة.

لكنني اكتشفتُ أن الكلمة التي لا تُقال تتحول إلى شوكة تنبتُ في الصدر، تدميني كلما حاولتُ استنشاق الحياة بعمق.

​أقف اليوم أمام مرآة الوجود متسائلاً: كم خسرنا من أحبة بسبب صمتٍ أحمق؟

كم من حكاية حبٍّ ذبلت لأننا لم نقل "أحتاجك" أو "أنا خائفٌ من فقدك"؟

وكم من جبلٍ من سوء الفهم بُني من حجارة السكوت المتراكمة؟

إن الصمت ليس دائماً حكمة، والتأجيل ليس دوماً رحمة؛ بل هو أحياناً خيانةٌ للذات وللآخر.

الكلمة الصادقة، وإن أوجعت في حينها، هي الجسر الوحيد نحو النقاء.

أما الصمت الطويل فيبني جدراناً صماء، ويجعل المسافات بين القلوب هواتٍ لا تُعبر.

​ثمة فرقٌ هائل بين صمت الحكيم الذي يزن لآلئ قوله، وصمت الخائف الذي يدفن رأسه في رمال الهروب.

الأول يُثري، والآخر يُدمر.

وأخطر ما في الأمر أن السكوت الطويل يصدئ آلات التعبير فينا.

كلما طال حبس الكلمات، تعسرت ولادتها، حتى يأتي يومٌ نريد فيه الكلام فلا نجد اللغة، وتصبح مشاعرنا غريبةً عن ألسنتنا.

​لذا، أعلنُ اليوم كسر هذا القيد، خطوةً بخطوة.

لا أدعو إلى الضجيج، بل إلى الشجاعة الهادئة؛ أن أنطق الكلمة في وقتها، بصدقٍ يحررني ويمنحني حق الشفاء.

قد يتغير كل شيء بعد النطق، نعم، لكنه تغيرٌ نحو الوضوح؛ فإما علاقةٌ تقوم على صخر الصدق، أو انفصالٌ يحرر الروح من زيف التمثيل.

لن أنطق كل ما يمرُّ ببالي دون روية، فللكلام أدب، وللوقت حرمة.

لكنني لن أتخذ الصمت قبراً لمشاعري بعد الآن.

سأمنح نفسي حق "الحضور"، وألتقي بالآخرين فوق أرض الصراحة، مهما كانت وعرة.

​فليكن هذا الوقت ميلاداً لمكاشفةٍ حقيقية، تبدأ من داخلي وتمتد إلى الكون.

فالكلمة التي تخرج بإخلاص هي أقصر طريق إلى سلام الروح الذي ننشده جميعاً.

​لم أكتب هذا توجيهاً لأحد، بل توثيقاً للحظة خروجي من عتمة السكوت إلى نور المكاشفة، ومناجاةً لروحٍ قررت أن تسترد عافيتها بالنطق.

إنه اعترافٌ بالحرية، وتدوينٌ لولادةٍ جديدة للغتي وأحاسيسي، أودعه هنا ليكون ميثاقاً بيني وبين الصدق كلما أغواني الانكفاء من جديد.

سلامٌ على الكلمة حين تتحرر فتُرمم ما أفسده الصمت.

وسلامٌ على كل روحٍ تجرأت على كسر أقفالها، فاستعادت صوتها وحقها في الضوء والسكينة والصفاء.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

04 مارس 2026 / 14 رمضان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش