ليالي المكاشفة: عبور من العلف إلى الشرف..د. محمد شعوفي
ليالي المكاشفة:
عبور من العلف إلى الشرف.
في زمنٍ تتصارع فيه القيم مع الشهوات، وتتنازع الأرواح بين نورٍ وظلمة، تأتي ليالي رمضان لتكون مرآةً تكشف حقيقة الإنسان…
في رحاب اليوم الثالث عشر من رمضان، حيث ينتصف الضياء في كبد السماء وفي حنايا الروح، أجدني مدفوعاً إلى هذه الوقفة.
في لحظة صفاء نادرة، حين تخفت أصوات العالم ويستكين الجسد تحت وطأة الصيام، أخلو إلى ذاتي لأتأمل هذا المشهد الإنساني المأزوم.
أقف أمام مرآة الكون، لا لأرى وجهي المنعكس، بل لأبصر وجوهًا كثيرة تائهة بين ضفتين: ضفة النور حيث تتقد أرواح أصحابها، وضفة الظل حيث ترتع النفوس في مستنقعات الوهم.
وإنني لأشعر بأن روحي ذاتها ممزقة بين هذين القطبين، بين أن أكون من الذين يضيئون الدرب بفيض التقى، أو ممن يرضون بالدرب الموحش المظلم خلف بريق المادة.
ها أنذا أخط كلماتي هذه، لا ككاتب يمتلك الحقيقة، بل كباحث متعب يسأل:
أيُّنا نحن؟
وأي مجتمع نصنع بأيدينا كل يوم؟
لقد ظهر لي بعد طول تأمل أن مجتمعنا اليوم ليس كتلة واحدة متجانسة، بل هو مجتمعان يتجاوران في الزمان والمكان، ويفترقان في الجوهر والمصير.
مجتمع الشرف الذي يجعل من الإنسان غاية لا وسيلة، حيث تتقد الهمم وتتعلق العقول بالمعالي، وحيث تصبح الفضيلة متنفسًا لا تكلّفًا.
رأيت أهله يسيرون في الأسواق وقلوبهم معلقة بالسماء، يحملون هموم غيرهم قبل هموم أنفسهم، يأنفون من صغائر الأمور كما يأنف الكبير من لباس الصغار.
في هذا المجتمع، تذكرت قول القائل: الناس معادن، فأيقنت أن رمضان هو الكير الذي يصقل المعدن حتى يضيء كالذهب الإبريز.
وفي الطرف الآخر، يرتع مجتمع العلف، حيث تتحول الحياة إلى مأدبة ممتدة من الشهوات الرخيصة والصور الزائفة.
إنه مجتمع لا يرى من الدنيا إلا مطعمًا ومشربًا ومظهرًا، كالبهيمة التي لا ترفع رأسها عن العلف لترى الأفق الممتد.
و إذ أتألم لهذا المشهد، أتذكر أولئك الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا وهم فارغون كالجرس الأجوف.
يركضون خلف الموضة والتملك، كغزالٍ يلهث وراء سرابٍ لا يُدركه.
يشترون السعادة المعلبة، ويظنون أن الرقي في اقتناء أحدث مركبة، متناسين أن الإنسان قد يركب الطائرة وتبقى روحه حافية ممزقة.
ولم تكن رحلتي مع هذه الثنائية مجرد تأمل نظري، بل هي مخاض يومي أخوضه في أعماقي.
كم مرة وجدت نفسي على مفترق الطرق: إما أن أختار ما يرضي كرامة الروح وإن كان ثقيلاً، وإما أن أستجيب لنداء السهل الرخيص.
أتذكر أيامًا خلت، كنت أجلس مع صحبٍ يتبارون في تفاهات القول وسقطات المشاهير، فشعرت كأن روحي تحتضر بين جدران الكلمات الفارغة.
نهضت ساعتها لأتنفس الصعداء، وأدركت أن مجتمع العلف ليس حيزاً جغرافياً، بل هو حالة ذهنية نرضى بها فتستوطننا.
وإني لأعتقد أن أخطر ما في مجتمع العلف ليس وجوده، بل إيهامه لضحاياه بأنهم على الصراط المستقيم.
يرتدي مسوح الحداثة ويدّعي التمدن، وهو في الحقيقة نكوصٌ مقنع عن القيم الإنسانية.
يبيع الإنسان أوهام الحرية وهو يسوقه إلى عبودية الرغبة التي لا تشبع، واستهلاكٍ محموم لا يتوقف.
وفي غمرة هذا الصخب، تضيع الأسئلة الوجودية الكبرى:
من نحن؟
ولماذا استخلفنا الله هنا؟
وإلى أين نحن ذاهبون؟
لكنني في خلواتي الطويلة، لم أستسلم لليأس، بل بحثت عن الجسور التي تعبر بنا من الضفة الموحلة إلى ضفة النور.
وجدت أن أول هذه الجسور هو الوعي، ذلك القبس الذي يبدو خافتاً في البدء، ثم يشتد حتى يكشف زيف ثقافة العلف.
الوعي بأن ثمن الكرامة باهظ، لكن ثمن التفريط فيها أفدح.
الوعي بأن الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأنفاس، بل بالمبادئ التي نحيا ونموت من أجلها.
وفي خضم هذا الصراع، تعلمت أن العبور نحو مجتمع الشرف لا يتطلب خوارق عادات، بل خطوات صغيرة صادقة.
يكفي أن نغلق أبواب التفاهة، وننتقي ما يغذي عقولنا، ونحيي في دواخلنا ذلك السؤال المقلق:
ماذا فعلت اليوم لأتحرر من قيد المادة؟
كلما امتلأت قلوبنا بالمعنى، اتسعت الفجوة بيننا وبين الاستهلاك الرخيص.
لقد رأيت بأم عيني كيف يولد الإنسان من جديد حين يصحو من غفوته؛ رأيت من كان غارقاً في المقتنيات يصبح منارةً للقيم، ومن كانت أسيرة للمظاهر تتحول إلى نبعٍ من العطاء.
أيقنت حينها أن معركتنا ليست مع الآخر، بل مع العلفي الكامن فينا، الذي يهمس بأن الراحة في الاتباع، وبأن السعادة في الامتلاك، وبأن القيمة فيما نرتدي لا فيما نضمر.
وإذ أسطر هذه الكلمات، لا أدعي الكمال، فأنا بشر أتخبط بين الضياء والظلمة، أشدو بالمعالي وأتعثر أحياناً في أسر الطين.
لكن الفرق يكمن في تلك البوصلة التي لا تقبل العطب، بوصلة الضمير التي تشير دائماً نحو الشمال، حيث الأرواح الشريفة الصابرة.
وها نحن اليوم، في الثالث عشر من رمضان، نقترب من منعرج الشهر الأخير.
فأيُّ الماءين نسقي به حدائق أرواحنا في هذه الليالي المباركة؟
أبماء الشرف الذي يثمر عزاً، أم بماء العلف الذي لا ينبت إلا هشيماً تذروه الرياح؟
إن أبواب التوبة والتغيير مشرعة، وشمس الحقيقة تشرق في محراب الصائمين كل يوم.
فلنكن ممن يضيئون الفضاء بوعيهم، ولنرفع رؤوسنا نحو النجوم، تاركين أقدامنا تمشي في الطين، بينما قلوبنا تحلق في ملكوت السماء.
ولنتذكر أن معركتنا ليست فردية فحسب، بل هي معركة أمةٍ بأكملها، تحتاج أن تختار بين أن تكون شاهدة على انحدارها، أو صانعةً لنهضتها.
فإذا غلبنا العلفي الكامن فينا، انتصرنا لأنفسنا ولأمتنا، وإذا استسلمنا له، خسرنا المعنى قبل أن نخسر الدنيا.
فلنختر أن نكون من الذين يزرعون في الأرض بذور الشرف، ليحصد أبناؤنا غدًا ثمار الكرامة والحرية والجمال.
بقلم:
د. محمد شعوفي
03 مارس 2026 / 13 رمضان.
تعليقات
إرسال تعليق