سكرة المادة وصحوة الواقع:..د. محمد شعوفي
سكرة المادة وصحوة الواقع:
في عالم يلهث وراء تراكم المكاسب، يغيب عن كثيرين ذلك التحول الخفي الذي يصيب أرواحهم قبل أجسادهم.
كيف يمكن لشيء واحد أن يكون أداة للبناء ووسيلة للهدم في آن معاً؟
وكيف تتحول الوفرة من وعدٍ بالحرية إلى قيدٍ يُكبل الروح؟
إنها رحلة الإنسان مع بريق الثروة وسطوة النفوذ.
رحلة تبدأ غالباً بالرغبة في تأمين الذات، لكنها كثيراً ما تنتهي في غياهب الاغتراب عن الحقيقة حين ينقلب السحر على الساحر.
نحن بحاجة لهذه الوقفة، لا لمحاكمة الآخرين، بل لحماية أنفسنا من أن نصبح ضحايا لمأساة نفسية تتكرر كل يوم أمام أعيننا.
لقد رأيتُ نماذج بشرية تبدأ بالتواضع، تدرك قيمة التضامن وتحترم صغر الأشياء.
لكن شيئاً فشيئاً تتسلل "الأنا" المتضخمة لتطرد قيم "نحن"، فيتوهم المرء أن قوته المالية تمنحه تفوقاً أخلاقياً أو عقلياً.
ويا للأسف، لا يشعر الإنسان بهذا "الورم النفسي" إلا حين يصبح الكبر طبعاً، والكلمة العابرة قراراً يغير مصائر الآخرين دون اكتراث بآلامهم.
هذا التضخم يشبه العلة التي تنمو في خفاء حتى تنهك الكيان.
كيف يغيب عن هؤلاء أن الإمكانات التي بين أيديهم ليست سوى أدوات للاختبار الأخلاقي؟
وكيف ينسون أنهم مجرد عابرين في دورة اقتصادية وكونية لا تتوقف عند أحد؟
القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الموارد، بل في القدرة على البقاء إنساناً رغم سطوة الإغراء.
فحين تنكسر البوصلة القيمية، يتحول الطموح من محرك للنمو إلى أداة للاستعلاء.
الثروة الحقيقية هي ما يجمعه الوعي من حكمة، لا ما تجمعه الخزائن من أرقام.
لقد شاهدتُ كيف تتبدل ملامح الإنسان حين يغرق في بحر المادة بلا كوابح أخلاقية.
من كان يزن كلمته بميزان الاحترام صار يستبيح كرامات الآخرين بزهوٍ مفرط.
ومن كان يقدر قيمة العطاء صار يطارد الأضواء ليُثبت تفوقه الطبقي.
وهكذا يبدأ الانحدار بخطوة صغيرة من نكران الجميل، ثم يتسع حتى يبتلع جوهر الإنسان.
وهنا تأتي لحظة الارتطام بالواقع.
قد تكون أزمة مالية، أو مرضاً يذكرنا بضعفنا، أو فقداناً لسكينة الروح.
كم من شخص لم يدرك قيمة البساطة إلا حين تعقدت حياته، ولم يقدر التواصل الإنساني إلا حين وجد نفسه وحيداً فوق قمة من الذهب.
الدرس الأسمى هو أن نحمي أنفسنا من فخ النجاح السام.
القوة ليست في التملك، بل في التحرر من الرغبة في التملك.
والعزة ليست في النفوذ، بل في التوافق مع الذات واحترام إنسانية الآخر.
الحياة مهما اتسعت فهي قصيرة، والاستثمار الحقيقي هو ما يتركه المرء من أثر طيب في حياة الناس، لا ما يتركه من أرقام صماء.
لذا نحن بحاجة إلى وعي نقدي ذاتي يجعلنا نتساءل كل يوم:
هل ما نحققه اليوم إضافة للإنسانية أم عبء عليها؟
هل زادنا النجاح انفتاحاً على الآخرين أم عزلة وتعالياً؟
هل نحن من نملك الوسائل، أم أن الوسائل هي التي ملكتنا؟
في النهاية، الخاسر الحقيقي هو من سمح لأهدافه المادية أن تحجب عنه رؤية المعنى الجمالي والأخلاقي للحياة.
إنها دعوة لإعادة تعريف النجاح، ليكون وسيلة للارتقاء العام لا غاية للإقصاء الخاص.
فمن استطاع الحفاظ على توازنه وهو في ذروة قوته فقد نجا بكيانه الإنساني، ومن سكر بسلطته فعليه أن يستعد لصحوة الواقع التي لا تفرق بين قوي وضعيف.
ولعل أعمق ما نختم به هو أن المادة ليست سوى عابرٍ في مسرح الوجود، بينما يبقى الإنسان هو النص الأصلي الذي يُكتب بالوعي والكرامة.
فالصحوة الحقيقية ليست مجرد عودة إلى الواقع، بل هي عودة إلى الذات العميقة التي تذكّرنا بأننا جزء من قصة أكبر من أرقامنا ومكاسبنا.
وهكذا يصبح النجاح الحقيقي هو أن نحيا بسلام مع أنفسنا، وأن نترك خلفنا ما يضيء الطريق للآخرين، لا ما يثقل كاهلهم.
بقلم:
د. محمد شعوفي
01 مارس 2026 / 11 رمضان
تعليقات
إرسال تعليق