مرافئ اليقين: بين إرادة المقاومة وفنّ التسليم. ..د. محمد شعوفي

 مرافئ اليقين:

بين إرادة المقاومة وفنّ التسليم. 


​في رحاب الليالي التي تثقل فيها الأرواح بأحمال لا تُطاق، وتتراكم الهموم كالسحب الداكنة في سماء النفس، تأتي لحظة فاصلة تشبه ولادة الضوء من رحم العتمة.

إنها تلك اللحظة التي يختار فيها الإنسان بملء إرادته أن يلقي بأثقاله، لا استسلاماً لهزيمة أو نكوصاً عن واجب، بل إعلاناً لأعظم درجات القوة الكامنة في التحرر من الإحباط.

ها أنذا أقف اليوم على شفا ليلة من تلك الليالي الاستثنائية، لأكتب تجربتي في

"التسليم النفسي"،

لعل كلماتي تكون نسمة برد وسلام لكل قلبٍ أضناه الصراع مع أوهامه لا مع أقداره.

​في بعض الليالي، لا يأتي النور من الخارج، بل ينبعث من لحظة داخلية حاسمة: لحظة القبول العميق لما لا نملك تغييره، لنفرغ الجهد لما نحن مكلّفون بإصلاحه.

تلك اللحظة التي أختار فيها بوعيٍ هادئ أن أُنزِل عن كتفيَّ العبء النفسي الذي لم أُكلَّف بحمله أصلاً، لأكتشف أن الخفة ليست غياب الأحمال، بل هي فنُّ حملها بطريقة لا تكسر الظهر ولا تثني العزم.

إنها دعوة الروح للتوقف عن محاربة الأقدار التي لا تُرد، لنتفرغ لمحاربة الواقع الذي يجب أن يُغير.

وكم كنتُ أحتاج إلى هذه الدعوة، وأنا الذي أمضيتُ سنيناً أخلط بين ثبات المقاتل وقلق المرتاب؟

​لقد أدركتُ في هذه الليلة أن التسليم لا يعني أبداً ترك المقاومة أو التنازل عن الحق، فالمقاومة واجب أخلاقي وإنساني لا يستقيم الوجود بدونه.

لكنّ التسليم الحقيقي هو التحرر من الإحباط النفسي الذي ينهش القلب ويشلّ حركة اليد عن العطاء.

أنا أقاوم بيدي وأؤدي واجبي كاملاً، لكنني أسلّم قلبي لليقين، فلا أحمل همّ النتائج لأنها بيد الله وحده.

أليس من الحكمة أن نزرع الأرض بكل قوتنا، ثم ننام ملء جفوننا واثقين بأن إنبات الزرع ليس من شأننا؟

​في هذه الليلة بالذات، وقفتُ على عتبة ذاتي وقررتُ أن أضع كل ما يثقل كاهلي من هواجس، ليس هروباً من الميدان، بل عودةً إلى جوهر الثبات.

تركتُ خلفي الأفكار الدوّامة التي كانت تدور في حلقة مفرغة من ماذا لو؟، 

والمخاوف التي كانت تستنزف حيويتي كطفيلي خفي.

أعدتُ إلى الكون الواسع ما لا أستطيع التحكم به، وسلّمتُ مَقود النتائج بيد الله، مدركاً أن التدبير الإلهي أرحم من تخطيطي المحدود.

كيف أرجو النصر وأنا مثقل بظنون الهزيمة؟

​وكأنني أفرغتُ جرّةً عتيقةً مليئة بالرماد والأشواك التي جمعتها من الجدال العقيم مع الغيب، فألقيتها في نهر الحياة بلا ندب أو حسرة.

لم أعد أحتفظ بشيء ينتمي لغيري: لا نتائج الأمس التي ولّت، ولا أحكام الآخرين التي لا تعبر إلا عنهم.

تركتها تذهب كما تذهب الأوراق اليابسة مع نسيم الخريف، وما إن فعلتُ حتى شعرتُ بفراغٍ مبارك.

إنه فراغٌ يمنحني المساحة لأركز في واجبي بذهنٍ صافٍ وقلبٍ غير مشتت.

يا له من فراغ عجيب  يمتلئ قلبي باليقين وأنا خالٍ من الأوهام، وكأن الفراغ من القلق هو الامتلاء بالقوة الحقيقية.

​منحتُ نفسي الحقّ في الراحة النفسية التامة: ليس ركوناً للكسل، بل استجماعاً للقوة.

جسدٌ يسترخي ليتمكن من النهوض غداً، وقلبٌ يهدأ ليتمكن من الصمود في وجه العاصفة.

استقبلتُ هذه الاستراحة كعهدٍ جديد مع السلام الداخلي الذي يسبق الفتح.

أدركتُ فيها أن المقاومة النفسية للأقدار هي مصدر الألم، بينما التسليم لرب الأقدار هو بوابة الشفاء والقدرة على مواصلة المسير.

واكتشفتُ في هذا الاسترخاء العميق أنني كنتُ أركض خلف سراب السيطرة، بينما الحقيقة هي أن أعمل كأن كل شيء بيدي، وأثق كأن كل شيء بيد الله.

​هكذا منحتني هذه الليلة السكينة، وغسلتْ روحي بماء اليقين الصافي الذي يطرد شبح اليأس.

شعرتُ أنني في أمانٍ لا يهزّه قلق النتائج، وفي سلامٍ داخلي يجعلني أصلب عوداً في مواجهة الصعاب.

إن التسليم ليس ضعفاً أو استكانة للعدو أو للظلم، بل هو أعلى درجات القوة التي تجعل الإنسان يواجه قدره بقلبٍ مطمئن ويدٍ لا ترتجف.

أن نترك ما لا نملك أمره يعني أننا اخترنا بوعيٍ كامل أن نثق بالحكيم الخبير، لنفرغ طاقاتنا لما أُمرنا به.

​إن الثقة بالله حين تصبح حالة وجودية، تحول الإنسان إلى جبل راسخ لا تذروه رياح الإحباط.

وأنا أتأمل الآن في وداعة الليل، أتساءل: كم من ليالٍ أضعناها في القلق على غدٍ ليس بأيدينا؟

وكم من جهدٍ أهدرناه في مقاومة المحتوم بدلاً من تغيير الممكن؟

الوعي الجديد الذي أستشعره الآن هو صحوة الروح التي تفصل بوضوح بين سعي الجوارح وتوكل القلوب.

​فلعلّ ليلةً واحدةً كهذه تكفي لنعيد ترتيب أولويات الروح، ونخلع عنها ثياب اليأس البالية.

لنقاوم في الميادين بكل شجاعة، ولنسلّم في المحاريب بكل طمأنينة.

ولنعرف من جديد أن أثمن ما نملك هو قدرتنا على أن نكون أحراراً من قيد النتائج، لنكون مخلصين فقط لجمال السعي.

وأخيراً، أودع هذه الليلة بقلبٍ ممتلئ بالامتنان، عارفاً أن رحلتي مع التسليم المثمر قد بدأت للتو.

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وأوصيكم ونفسي: قوموا بواجبكم كأنكم لا تملكون إلا أنفسكم، وسلموا قلوبكم لله كأنكم لا تملكون من الأمر شيئاً.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

28 فبراير 2026 / 10 رمضان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش