بين رخام المحاكم ونبض الشوارع:...د. محمد شعوفي
بين رخام المحاكم ونبض الشوارع:
منذ أن عرفتُ طريقي، ظللتُ أتساءل: أين تسكن العدالة حقاً؟
هل هي في نصوص الدساتير المذهبة، أم في نبض القلوب التي تصرخ حين يُظلم إنسان؟
ذلك السؤال كان رفيقي في رحلة طويلة بين قاعات القضاء الباردة، وبين الشوارع التي تضج بالحياة والوجع.
طالما وقفتُ مبهوراً أمام صروح العدالة الشامخة، تلك القصور الرخامية التي تتربع على قمم المدن كأنها قلاع منيعة لا تطالها الظنون، تتوجها نقوش برونزية وتماثيل صامتة تمسك بميزان معصوب العينين.
ظننتُ طويلاً أن العدالة تقبع هناك، في تلك الأبهاء الفسيحة التي يرتدي فيها القضاة وقار السواد، وتنام في زواياها المجلدات الضخمة المثقلة بغبار الزمن.
خُيّل إليّ أن الحق محصور في الأوراق المصقولة، وفي الحروف المنقوشة بمداد أسود لا يقبل التأويل، وفي مواد قانونية نحفظها كمسلّمات لا تُمس ولا تُسأل.
لكنني انتبهت ذات فجر، وأنا أتقلب على فراش الأرق، أن العدالة التي أبحث عنها ليست في الأبراج الزجاجية ولا في الكتب مذهبة الأغلفة، بل هي هناك في التفاصيل المنسية.
هي في الشوارع الموحلة، وفي العيون القلقة خلف القضبان، وفي أكواخ الفقراء حيث يتسرب المطر من السقوف لكن لا يتسرب اليأس من القلوب.
أيقنت أن العدالة الحقيقية لا تُخلع كالرداء عند أبواب المحاكم، ولا تُعلق كزينة حين يُسدل الستار.
إنها روح لا تقيم في الجدران الباردة، بل تسري في الوجدان الإنساني كما يسري الأكسجين.
تتنفس حيث يتنفس المظلومون، وتصرخ حين يُكتم الصوت ويُحكم الإغلاق.
قرأت يوماً في نصوص الدستور عبارات براقة تقول:
"كل المواطنين سواسية أمام القانون، ولهم الحق في حماية متساوية، ولا تمييز بسبب العرق أو الجنس أو الرأي أو المركز الاجتماعي."
توقفت طويلاً أمام هذه الكلمات الناعمة، ثم رفعت رأسي لأرى الواقع كمرآة معكوسة.
رأيت كيف يمكن لأجمل النصوص أن تتحول إلى خناجر صامتة حين تفتقد للروح التي تمنحها الحياة، وكيف يمكن لأرقى القوانين أن تصبح سياطاً إذا خلت من لمسة الرحمة والإنصاف.
أدركت أن هناك شقوقاً دقيقة لا تراها العيون المجردة بين ما هو مكتوب في دفاترنا وما هو مطبوع في ضمائرنا.
وهذه الشقوق تتسع كلما ضاقت قلوبنا، وتتعمق كلما سكتنا عن إنصاف إنسان، حتى لا يبقى من العدالة إلا واجهاتها الرخامية التي تلفظنا كالحجارة إذا اقتربنا منها بقلوب عارية.
لقد رأيت قضاةً يظنون أنفسهم فوق البشر، ينطقون بالحكمة من وراء منصات عالية، يطبقون نصوصاً لم يتذوقوا مرارة معاناتها، وينفذون قوانين لم يختبروا يوماً وطأتها على الروح.
وفي المقابل، رأيت محامين أبطالاً يخلعون راحة النوم ليلاً ليسهروا على قضايا لا تدر عليهم ربحاً مادياً، فقط لأن بوصلة الضمير لديهم كانت أقوى من إغراء المال.
تيقنت حينها أن العدالة ليست مهنة نؤديها في ساعات العمل، ولا شهادة نعلقها للزينة، بل هي قضية نعيشها في كل لحظة، وجرح نحمله في الأعماق.
ثم سألت نفسي سؤالاً لم يغادر مخيلتي:
ماذا لو جف المداد، ومزقت الأوراق، وتحطمت الأقلام؟
هل تموت العدالة بموت النص القانوني؟
أم تبقى حية في تلك المساحات السرية التي لا تُرى بالعين المجردة؟
هل تسكن في ذاكرة المقهورين، وفي زفرات السجناء، وفي صبر البسطاء على قسوة الأيام ووعود المسؤولين؟
أجبت نفسي بأن العدالة تشبه النهر الجوفي؛ قد تغيب عن العيون لكنها لا تجف أبداً.
تتغذى من ينابيع الوجدان الخفية، وتشق الصخور الصماء بقطرة إصرار لا تمل التكرار، لتنحت في الجبال العالية مجاريها وتصنع من عنادها أنهاراً من الحق.
في هذا التأمل العميق، اكتشفت أنني لست مجرد ناقل للعدالة أو موزع للحقوق، بل
أنا العدالة ذاتها حين أكون صادقاً مع ذاتي.
أنا القانون الحي الذي لا يحتاج إلى أختام رسمية،
أنا الضمير اليقظ الذي لا يغفو، أنا القاضي الذي لا يخطئ حين يحاكم نزواته قبل أن يحاكم أفعال الآخرين.
عاهدت نفسي أن لا أكون حارساً لنصوص ميتة في سجلات قديمة، بل حارساً لحقيقة نابضة.
أن لا أكتفي بتوزيع "الأحكام" من خلف مكتبي، بل أن أكون "العدل" في كل نبضة، وفي كل كلمة، وفي كل موقف يختبر نزاهتي.
العدالة يا صديقي ليست شيئاً نمنحه للناس كصدقة،
بل هي شيء نوقظه فيهم.
ليست هبة تُقدم،
بل أمانة تُصان،
وليست نظاماً آلياً نطبقه،
بل وجداناً نحييه بالحب والإنصاف.
إنها تتجلى في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يراها القانون:
في نظرة احتواء من أب لأبنائه.
في تقدير مدير لمجهود موظفيه.
في انحياز القوي للحق ضد مصلحته الشخصية.
أيها القارئ، اعلم أن العدالة لا تنتظرك خلف مطرقة القاضي في قاعات المحاكم فحسب،
بل هي كامنة في داخلك تنتظر إشارة منك.
هي تلك الشعلة التي تحملها لتبدد بها ظلام الشقوق المعتمة في هذا العالم.
فلا تطفئها ببرود عاطفتك،
ولا تدع رياح الأنانية تعصف بها.
فربما كنت أنت الأمل الأخير لمن انقطعت به السبل،
وربما كان موقفك المنصف هو الصوت الذي يعيد التوازن لعالم كاد أن ينسى معنى الإنسان.
فالعدالة ليست شعاراً يُرفع،
بل حياة تُعاش، ومسؤولية يحملها كل إنسان في قلبه قبل أن تُكتب في الدساتير.
بقلم:
د. محمد شعوفي
02 مارس 2026 / 12 رمضان
تعليقات
إرسال تعليق