سيف الدين علوي..وصفحة من رواية قيد الطّبع
هكذا أتممتُ تشكيل دائرة الشنق بإتقان، واستحضرتُ بعد هلع خفيّ و رعـدة متردّدة، صورةَ عمر المختار، ثمّ تلتها صورة صدام حسين.. كان كلاهما أمام المشنقة هادئا تماما.. لم تكن ثمة أنفاس هازّة و لا صدر مهزوز.. و كانت التقاسيم راسخة في الطمأنينة و هي مبثوثة في التقاسيم.. لم أجد تفسيرا لهذه الطمأنينة و ذلك الهدوء !.. كانت نظرات كليهما صارمة في سكينتها.. كان عليّ أن أتأوّل لذلك معنى، و أنتج ماهيّة متأصلة : إنّ مجد المرء الشخصي يغتال ارتباكه ويبدّد كلّ إمكانات الرهبة..(إنّه الإيمان إزاء مرأى لا نراه نحن،بل يراه الضحيّة في تلك الأثناء من عظمة اللحظة)، إن ازدراء الخصم يُـضًئّله حدّ القماءة، حينئذ تصعد العظمة في الدّم. ويصبح الذي يُقبل على الموت هو مَنْ يُمثِّلُ حَتْفَ خصمه، حتى إذا كان هو من يموت لا خصمُه..
هكذا نصبح أمام الموت متمتّعين بكلّ حواسّنا .. لا نسدّ أيّا منها، نبصر الموت، نسمعه، نشمّه، نتطعّمه و نلمسه.. هكذا كانت العظمة تجري في الدّم و تتحوّل إلى روح حارّة عنيدة متماسكة.. كذلك تنتفي الدهشة إزاء ما نعدّه خارقا.
"قيل إنّ الحلاّج قد قدم للقتل و هو يضحك، فقلت (و القول للحلوانيّ من كتاب الكواكب الدريّة لصاحبه عبد الرؤوف المنشاوي) يا سيّدي ما هذا الحال؟ قال (الحلاّج) : دلال الجمال، الجالب إليه أهل الوصال".
عليّ أنا بدوري أن أتمثّل أفانين العظمة الشاردة من تاريخي الأثيل. عليّ أن أتماسك الآن أمام فجور الأفكار التي تخامرني، و الأحلام الخائبة التي لا تفي تقضم ذاكرتي.. حتما أنّ إيمان عمر المختار كان أزخر من إيماني و أرسخ .. وحتما أن مجْد صدّام حسين و كِبْره كان أدْعى إلى التماسك الساخر. و حتما أنّ كليهما كان، في تلك اللحظة الكونيّة من نـحـْـت التاريخ الشخصيّ للكائن، وهو يستدعي مرجعيّاته و يقْـبِــس من أضوائه الباطنة.. و كذلك جرت عظمة كليهما مجرى الدّم في الشرايين، و سرت سريان الرّوح يمتثل لها الجسد.. تحوّلت العظمة إلى دم و لحم و عضلات و أعصاب يهندسها حراك الروح، و يقودها إلى انتصارٍ ما تصميمٌ حكيم ..
______________
سيف .د.علوي
من رواية قيد الطّبع
تعليقات
إرسال تعليق