سيف الدّين علوي ..مقطع من نصّ روائيّ

  معنى أن تكون الأشياء بلا معنى، هو قبضُك على آخر معنى  طائش في العالم؟ حينها يمكنك أن تتنصّل من كلّ متعلّقاتِ عوالمك التي كنت تتواشج معها.. وإذا حدث ذلك- وهو غالبا ما يحدث كما هو شأنُ الآن-  تتبادل الأشياءُ مَحَالَّها، تجري فكرةُ أن تُغيّرَ الأشياءُ جغرافيّةَ وجودها، تهاجر الأشياءُ فرارا من ماهيّتها و مواقعها ومحدّداتها لتندرج في ماهيّات جديدة و مواقع مختلفة و محدّدات حديثة.. تسارع الأشياءُ إلى استبدال أثوابها. تنزعها على شاكلةِ ما تنزع به الأفعى إهابَها..  تفقد الأشياء انتماءَها إلى ذاتها.. ذلك ما يُسمّونه استواء المتناقضات: ألاّ تشْعرَ  بالرغبة في الأشياء التي كان يُرغَبُ فيها:  كذلك تتقشّر عن الفاتن فتنتُهُ، مثلا كألاّ تُحرّككَ لمرّة أخرى أيّة أنثى تَفقدُ - أو  أنت  من يشعرُ  حينها أنّها تفقد-  كلَّ مؤهّلات الإثارة البهلوانيّة السحريّة: طلاسم الجسد، أفانين الفعل.. و رخاوة الرّوح ..

بعد سنة تقريبا من زواجه قال أحد المتزوّجين: "أخيرا تآخى اللّحْمان- لحمي و لحمُها و لم يعودا صالحيْن لتحقيق ما يُسَمّى براعة اللذّة، إذا فهمنا تلك البراعة على أنّها خُلاطة الحلم و اللاّحلم.. صار كلا اللّحميْن يعرف الآخر معرفة تامّة يقينيّة محسومة سلفا.. لا علاقة لهذا بمفهوم الخصاء إطلاقا.".. 

التمعت عيناه وهو يوضّح: 

"المسألة مسألة وجودٍ ممتلئ يتِمُّ إفراغُهُ.. لا علاقة للحُبّ إطلاقا بهذه الحالة  المجانيّة العارضة! لا يستطيع الحبُّ أن يملأ مساحة منتهية منتمية إلى الفراغ، وعليه ألاّ يستطيع! إنّه متى حاول أن يملأ تلك المساحة بَــهَتَ،  و ربّما تحاتّ عنه الجوهر الذي يجعلُه حُبّا "..    

   لكلّ شيء إناء إذن، يحدُث للإناء أن يمتلئ ذات يوم حتّى إذا ما  أترع لم يكن إلاّ علامة على حالة إفراغ تالية..  بشاكلةٍ من هذا القبيل، تدخلُ الأشياء في طور العادةِ اللّوْلبيّة، تنخرط في العجلةِ العائدة دوما إلى نقطتها الصّفر، و المتحرّكة دوما باتّجاه نسقٍ دائريّ معلوم سلفا.. كلّ شيء دائريّ مُنتهٍ و مبتدِئ مرّة أخرى.. سلسلة من ابتداءات  وانتهاءات..

 قَطْعا ليست هذه هي المتعة.. 

على المتعة أن تكون على نحو آخر  نوعيّ تماما.. على المتعة أن تحتلّ موقعا بين العابر و غير العابر، يمكن أن نسمّيها منطقة الحركة الدّائمة، منطقة الدّيمومة المتحرّكة و العبور الحرّ، ما قبل الأشياء دائما. ذلك هو الماقبل المتأهّب لأنْ يكون، حتّى إذا ما كان فإنّه لا يكون حاملا لعنصر التّبشير  بأنّه سيزول، و لا  حاملا لعنصر  الإيماء بأنّه سيظلّ.. عليه ألاّ يُعطي إشارة لأيّ حالة نهائيّة يمكن أن يكونَها.

تلك منطقة قيامةِ الأشياء.. أنْ تنتبهَ إلى غموض العالم، حيث  ثمّة مساحة معزولة تُفرّخ فيها الاحتمالاتُ اللامتناهية، فذلك ضربٌ من المتعة اللاّمتناهية.

   تفقد الأشياءُ الآن و هنا كونَها محلَّ شهوةٍ و اكتمال.. تقتلعُ كلَّ الأدواتِ الخالقة لإمكانات التّجلّي الشّاطح البهيج، بحيث لا يعود في وسع المرء بعدُ أنْ يعبّر عن صورة الملْء و الامتلاء، لأنّه ببساطة يندسّ في الفراغ الذي اندسّ فيه بدوره ، و هكذا يخرجُ المرءُ إلى دائرة فراغه مفرَغا..

_______________ 

سيف الدّين علوي

من نصّ روائيّ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش