فطرةُ الحبِّ وحفاوةُ المكان: من الدواخل إلى آفاقِ سطيف...د. محمد شعوفي

 فطرةُ الحبِّ وحفاوةُ المكان:

من الدواخل إلى آفاقِ سطيف.


أبدأُ من حيثُ نبضتْ روحي تتلمّسُ سرَّها الأول، من تلك اللحظة التي أدركتُ فيها أن الإنسان لا يولدُ صفحةً بيضاء فحسب، بل يولدُ مشبعًا ببذرةٍ خفيّةٍ اسمها الحب، تتقدّمُ على اللغة، وتسبقُ الوعي، وتؤسسُ لمعنى الوجود قبل أن يتشكّل في الكلمات.

فطرةُ الحبِّ التي جُبِلَتْ عليها نفسي كانت أوّلَ ما لمستُه في هذه الحياة، حيث يبدأُ حبُّ الأمِّ لجنينها قبل أن يرى النور، ثم حبّي لها بعد الولادة حبَّ ارتكازٍ وبراءة، يمتدُّ إلى أبي وإخوتي، وتتّسعُ دوائره شيئًا فشيئًا لتشمل العائلةَ فالقرابةَ، ولا تتوقّفُ حتى تبلغَ الشعوبَ والأمم، وكأنّ هذا الامتداد ليس إلا استعادةً دائمةً لتلك اللحظة الأولى التي تعلّمتُ فيها أن أكونَ إنسانًا.

وحين تمعّنتُ في هذه الفطرة الإنسانية، أدركتُ أن الحبَّ ليس ترفًا عابرًا يطرقُ القلبَ في لحظات الصفاء، بل هو رسالةُ وجودٍ ومسؤوليةٌ أخلاقية، لا يكتملُ معناها إلا إذا تحوّلت إلى تهذيبٍ للسلوك، وضبطٍ للمعاملة، وميزانٍ دقيقٍ أزنُ به حضوري بين الناس.

ومن هنا بدأتُ أرى في الآخر امتدادًا لي، لا غريبًا ولا خصمًا، بل صورةً أخرى من صورتي الأولى في حضن أمّي، فصرتُ أبني هذا المعنى حجرًا حجرًا بالصبر، وبالتفهّم، وبالتراجع أحيانًا حفاظًا على ما هو أسمى، وأزرعُ بذورَ المودّة في أرضٍ قد يظنّها البعض قاحلة، لأنني أيقنتُ أن الحبَّ الحقيقي يبدأ حيث تنتهي السهولة.

إن هذا الحب الذي أتبناه لا يعني مهادنة الضعف أو الركون إلى السلبية، بل هو قوةٌ دافعة للبناء، ووعيٌ يدعوني للمقاومة الإيجابية لكل ما يشوّه كرامة الإنسان، فهل يمكن للحب أن يكون حياً دون أن يكون حارساً للعدل ومقاوماً للظلم؟

بل إن أسمى تجلياته تكمن في قدرته على انتزاع الحقوق بنبل، وترسيخ الواجبات بوعي، ليغدو عدلًا لا يرضى الهوان لأخيه، وحريةً لا تكتمل إلا حين يشعر الإنسان أنه محترمٌ في كرامته، غير مُهانٍ في ضعفه.

وما إن سلكتُ دروب هذا الحب وسعيت في مناكبه، حتى قادتني خطواتي إلى تجربةٍ إنسانية عميقة جسّدت لي هذه المعاني واقعاً معاشاً، فكان لقائي بأهل سطيف لحظةَ انكشافٍ داخلي، حيث لمستُ الحفاوة لا بوصفها عادةً اجتماعيةً مكررة، بل بوصفها صدقًا إنسانيًا متجذّرًا.

رأيتُ هذا الصدق في عيونٍ استقبلتني كأنني ابنٌ عائد لا ضيفٌ عابر، وفي قلوبٍ منحتني شعور الانتماء قبل أن أطلبه، وهناك بين جبالها الشامخة وتاريخها العريق، تذوّقتُ الحبَّ فطرةً لا تكلّفًا، ووجدانًا لا تصنّعًا.

لقد رأيتُ في سطيف كيف أنّ الحفاوة بالضيف ليست سلوكاً عابراً، بل تجسيدٌ حيٌّ لفطرةٍ تبدأ من رحم الأم وتمتدّ لتحتضن العالم، فأيقنتُ أن الحب هو الدواء لشتات البشرية، والنور الذي يهدي خطواتها نحو مستقبلٍ تتوازن فيه الحرية مع العدل.

ومن هذا المعنى الذي ترسّخ في داخلي، صرتُ أضبطُ معاملتي بهذا الحب، فتتحوّل المودّة من شعورٍ داخلي إلى نظامٍ أخلاقي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ويُحيل الخصومة تعاونًا، والنزاع سعياً مشتركاً لتهيئة أرضٍ جديدةٍ للوئام.

وأنا لا أكتبُ هذه الكلمات لأرسم حلمًا بعيدًا أو أوهامًا مستحيلة، بل لأضع لبنةً في بناءٍ يحتاج إلى قلوبٍ تؤمن بأن الحب ليس ضعفًا، بل هو القوة الحقيقية التي تُقيم العدل، وتصنع السلام في أدقّ تفاصيل الحياة.

وأختارُ أن أظلّ شاهدًا ومشاركًا في هذا البناء، أجعلُ من الحب مشروعَ يومي، أمارسه قبل أن أتحدّث عنه، وأغرسه قبل أن أطالب به، لأراه جسرًا من نورٍ يعبرُ عليه الإنسان نحو جوهر إنسانيته.

وتبقى تلك الحفاوة التي لمستُها في سطيف شاهداً حياً على أن المودّة حين تسود، تهدمُ الجدران وتُذيب الحدود المصطنعة، وتجعلُ من كل لقاءٍ بدايةً جديدة، ومن كل غدٍ وعداً صادقاً بأن يعمّ الوئام.

فلا يبقى ظلمٌ ولا جفاء، إلا وتلاشى أمام وعيٍ إنساني أصدق بقاءً وأعمق أثرًا من كل ما يُظنّ أنه قوّة.

بقلم:

د. محمد شعوفي

31 مارس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش