قيامة الحروف: أثرٌ لا يموت..د. محمد شعوفي
قيامة الحروف:
أثرٌ لا يموت.
بين هشاشة الجسد وصرخة الروح، يقف الإنسان وحيداً أمام حقيقة الزوال.
في هذا المدى الفسيح من الوجود العابر، حيث تتهاوى يقينياتنا كقلاع الرمل تحت مدّ الزمن، أجدني واقفاً على حافة سؤال لا يهدأ صخبه.
هل أستسلم للنسيان ليبتلعني كما ابتلع ملايين الأصوات قبل أن تهمس باسمها؟
أم أنني، بقبضةِ كلماتي، أستطيع أن أُشعل قنديلاً يتحدى عتوّ الأعاصير؟
لطالما رافقتني هذه الحيرة كلما تأملت المرآة، فرأيتُ وجهاً سيذبل، وجسداً سيندثر، لكنّ شيئاً في أعماقي يتمرد على هذا المصير المحتوم.
لذلك، لم أجد ملاذاً سوى أن أهب للكلمة ما تبقى لي من روح، لعلي أنجو من العدم قليلاً، وأترك للوعي الإنساني جمرةً تأبى الانطفاء.
في لحظات السكون، حين يخفت ضجيج العالم، أواجه حقيقة لا مهرب منها.
أن كل ما نراه ثابتاً هو في جوهره قابل للأفول، وأن كل ما نتشبث به بخوفٍ هو ماضٍ لا محالة إلى الزوال.
فما الذي يتبقى حين تنتهي الحكاية؟
هناك، في المسافة الصامتة بيني وبين روحي، تتشكل الأسئلة الكبرى بهمسةٍ تُقلق الطمأنينة الزائفة وتُزعزع أوهام الاستقرار.
أكتب وأنا أدرك أن الجسد زائل، لكنني أرجو للكلمة أن تبقى، فهي الكائن الوحيد الذي يعرف كيف ينحني بخشوع أمام محراب الخلود.
أكتب، وفي داخلي يقين بأن هذا العالم هشّ وقاسٍ، يطوي الأيام كأنها لم تكن، ويحول العابرين إلى صدى يتلاشى قبل أن تدركه الأذن.
لكنني أؤمن، رغم ركام الفناء، أن هناك ما ينجو من غبار الزمن.
إنه الأثر الذي نزرعه في تربة القلوب، لا الذي ننقشه على رخام القبور.
فكم من عظيمٍ واراه النسيان، وكم من إنسان بسيط ظلّت كلمته قبساً يهتدي به المتعبون في غياهب الظلمة؟
حين أجلس أمام صفحة العمر، أرى الحياة مسرحاً قصيراً نعبره على عجل.
نضحك قليلاً، ننزف كثيراً، ثم نغادر قبل أن نفك شفرة الوجود.
وهنا ينهض السؤال العنيد.
هل سأكون مجرد عابرٍ يلفظ الزمن اسمه كما يلفظ البحر حصاة؟
أم سأترك أثراً شامخاً لا تذله رياح المحو؟
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلتي مع الكلمة.
لم تكن ترفاً ولا زخرفاً لغوياً أزهو به، بل كانت الجسر الذي يربطني بالآخر، والنافذة التي أفتحها ليتسلل الضوء إلى عتمة الروح.
أكتب لأنني أرفض الاختفاء بصمت، وأرفض أن يمر هذا القلب دون أن يشهد العالم على خفقاته وأحلامه وانكساراته.
أكتب لأتجاوز وجودي المؤقت، ولأثبت أنني كنت هنا، لا مجرد ظلٍ تتقاذفه الأهواء.
كلنا عابرون، لكن القليلين هم من يتركون بصمةً عصية على المحو.
لأنهم لم يعيشوا لذواتهم، بل للمعنى الذي يتجاوزهم.
إن حياتي أمانة، ولا أريد الرحيل دون أن أقدم للعالم نافذة يطل منها على ضوئه المفقود.
أترك كلماتي للذين يدركون أن خلف كل سطر نبضاً، وخلف كل فكرة حقيقة تقاوم القفص.
فكم من كلمة كانت بلسماً أعاد قلباً من حافة الانطفاء؟
وكم من لفتة صادقة رفعت همّةً يائسة، فاستدار القدر كفراشة تعشق النور؟
لم تعد الكتابة عندي مجرد تعبير، بل هي مسؤولية أخلاقية ووجودية.
أكتب بضمير المتكلم لأعلن أنني لست متفرجاً، بل شاهدٌ يسعى لترك أثر في وعي البشرية.
أستدعي ذاكرة الأجداد الذين حملوا الحلم وسط القحط، لأكون امتداداً لا انقطاعاً، ولأحفظ الخيط الإنساني من التلاشي.
في زمن الرداءة والسطحية التي تحاصرنا كالضباب، أقاوم بالمعنى، وأبحث عن الجمال في تفاصيل الندى.
أقاوم لأنني أؤمن أن العتمة تتراجع أمام أول شعلة صادقة.
لقد تعلمت أن البساطة هي أقصر الطرق إلى القلوب، فالكلمة حين تتجرد من الزينة الزائفة تصبح كالماء الزلال، باقية ونقية.
إن السعي للأثر ليس طلباً لمجدٍ زائل، بل هو رفضٌ نبيل للتلاشي دون صنع فارق في حياة إنسان واحد.
هو غرس بذور قد لا نأكل ثمارها، لكننا نثق أنها ستظلل من يأتون بعدنا.
ما نتركه من صدق وجمال هو الذي يمنح وجودنا صبغة الخلود، ويجعل الموت مجرد بوابة لبعدٍ آخر.
أريد لكلماتي أن تكون وشاحاً من نور يلتف حول الأجيال.
فالحياة لا تقاس بالأيام، بل بالنور الذي خلفناه في نوافذ الآخرين.
وإني لأسأل نفسي، وأسألك أيها القارئ في هذا الممر الضيق.
ما الذي سنتركه خلفنا حين يغلق الستار؟
هل سنكون مجرد أرقام على شواهد باردة، أم فكرة تتناقلها الأرواح؟
إن البقاء الحقيقي يسكن في الصدق الذي تحمله الحروف وهي تعبر من قلب إلى قلب.
فالكلمات قد تذروها الرياح، أما الأثر الصادق فيتجلى في فكرة تغيرت، أو روح استيقظت.
عندها فقط، يهدأ قلق الخلود في داخلي، وأدرك أنني لم أكتب لأبقى ، بل ليبقى المعنى.
وها أنذا أعود إلى نقطة البدء، إلى السؤال الذي لا ينام.
لقد أدركت أن الوعي لا يُنشر بالمداد وحده، بل بأن نعيش ما نكتب.
وصيتي ليست ورقاً يُتلى في مجالس العزاء، بل هي كل ومضة أمل أزرعها في روحك أيها القارئ.
لن يخلد منا أحد، لكن ما يخلد هو صدق النية في لحظة العطاء.
ما الذي سنفعله اليوم ليكون حجراً في بناء الوعي الجميل؟
لعلنا نلتقي ذات يوم في فضاء لا يعرف الأفول، حيث لا يُسأل عن أسمائنا، بل عن مقدار الحب والضياء الذي تركناه خلفنا.
بقلم:
د. محمد شعوفي
16 أبريل 2026م
تعليقات
إرسال تعليق