لحظة البدء: تحرر الكينونة من أسر الانتظار. ..د. محمد شعوفي

 لحظة البدء:

تحرر الكينونة من أسر الانتظار. 


​كنا جميعاً نعيش في ظِلِّ وهمٍ لطيفٍ، نسميه "الغد"، ونعلّق عليه سعادتنا، ونؤجل به حياتنا.

حتى إذا انقشعت الغشاوة، أدركنا أن الانتظار ليس صبراً، بل هو هروبٌ متنكر بزي الحكمة.

في تلك البرهة النادرة التي يصمت فيها ضجيج العالم، وينساب صوت الحقيقة في ردهات الروح، يباغتنا الاكتشاف الأكبر: 

أننا لم نكن ننتظر الحياة، بل كنا نحترفُ تأجيلها.

لطالما وقفتُ على أعتاب الأيام، مسكوناً بوهم أن الأبواب تُفتح بكلمات سحرية تأتي من الخارج، أو أن يداً غريبة ستمتد لتنتشل الذات من ضفة الحيرة إلى شاطئ اليقين.

كنتُ أحسبُ الحياة هبةً تسقط في الحجور، لا قراراً يُنتزع من براثن العدم، وضللتُ الطريق حين ظننتُ أن مفاتيح المسرة بيد عابرين لا يملكون حتى مفاتيح ذواتهم.

فهل يسكن المعنى خارج حدود الذات؟

​أدركتُ اليوم، في ذروة الصحو، أن الوجود لا يقبل الوكالة.

فلا أحد يعيش عني، ولا أحد يحمل عبء نبضي سواي.

هذه الحقيقة، التي كانت تبدو قاسية كصلابة الصخر، انبلجت اليوم لتكون ينبوع الحرية الأولى ومشكاة الانطلاق الأقدس.

كم تبددت من فصولٍ وأنا أراقب دفة الوجود تمضي نحو المجهول، بينما أجلس على ضفاف التمني أنتظر "الظروف المثالية"؟

تلك الأسطورة التي حاكها التردد ليستر بها عجزَنا، حتى استحال الانتظار سجناً بغير جدران، لكنه أشد قيداً من الفولاذ وأثقل على الروح من الرواسي.

وكيف يجرؤ المرء على هدرِ لحظةٍ هي كل ما يملك؟

​شاهدتُ العمر ينسرب كالرمل من بين الأنامل، دون أن أجرؤ على إحكام القبضة أو رسم المسار.

لكن، انقشعت الغشاوة، وانشق فجر البصيرة عن حقيقةٍ لا تقبل الجدل: 

الحياة لا تبدأ باكتمال الأسباب، بل تبدأ بإرادة البدء رغم الفوضى، ورغم النقص الملازم للطبيعة البشرية.

اليوم أعلنُ انقضاء عهد الإرجاء.

وأدشنُ عصراً أكون فيه سيداً لأقداري، لا رهيناً للظروف الطارئة.

تأملتُ البذرة؛ إنها لا تستأذن التربة لتنفلق، بل تشق عتمة التراب بيقين داخلي، وتصعد نحو الضوء كفعل مقاومة أصيل.

وهكذا الكينونة؛ لا يتكشف الطريق قبل السير، بل يتخلق المسار تحت أقدام السائرين.

هل ننتظر الضوء لنبدأ، أم نبدأ ليشتعل الضوء؟

​لحظة التحول هي حين يستحيل الركود صرخة، والتردد عزماً، والحلم خطوةً ترتطم بالأرض لتصنع واقعاً ملموساً.

اخترتُ أن تكون هذه اللحظة هي "الآن".

فـ "الآن" ليست مجرد زمن عابر، بل هي النبض الوحيد الذي نقبض عليه في سيولة الوقت.

هي الجسر الرابط بين ماضٍ انطوى ومستقبلٍ لم يولد بعد، وهي الومضة التي تمنح للوجود معناه.

إن الحياة، في جوهرها، تشبه النهر الذي لا يلتفت وراءه، ولا يعترف بالوقوف عند حافات الانكسار.

يشق طريقه بعناد الكبرياء نحو غايته، متجاوزاً الصخر والشعاب، فهل يليق بالإنسان أن يكون أقل انسكاباً وعزيمة من ماءٍ جارٍ؟

​قررتُ أن أسير سير النهر؛ أترك الماضي خلفي، لا كحملٍ يرهق كاهلي، بل كدرسٍ يضيء عتمة الآتي.

بصري شاخصٌ نحو الأفق، حيث ينتظر المستقبلُ بصبرٍ يليق بالعظماء.

مؤمناً أن الأجمل ليس ما مضى، بل ما سنصنعه بأيدينا حين نكف عن دور المتفرج في ملحمة نحن أبطالها.

من اليوم، أقف مهندساً لواقعي، وصانعاً لمصيري.

سأخطو الخطوة الأولى، وإن بدت ضئيلة في عين المدى.

سأبدأ الرحلة، وإن بدت التضاريس وعرة والمسالك شاقة.

فالكمال غايةٌ لا تُدرك، أما المحاولة فهي شرف الوجود وجوهر الأنسنة.

وليس الانكسار في التعثر، بل في البقاء أرضاً نلوم الحجر الذي تعثرنا به.

فمن يلوم الطريق وهو الذي اختار ألا يمشي؟

​في الأعماق ثورة هادئة، تشبه اعتلاج الينابيع في رحم الأرض قبل الانفجار الأخير.

أسمع صوتاً داخلياً يهمس: 

لقد مضى الكثير، لكن الأوان لم يفت بعد.

وهذا اليقين بأن الغد احتمالٌ غير مضمون هو المحرك الأكبر لاغتنام اللحظة الراهنة.

كم من رؤىً دُفنت في مقابر التردد؟

وكم من عبقريات رحلت وصمتها يملأ الآفاق لأنها آثرت الانتظار؟

لا أريد أن أكون رقماً في سجل المؤجلين.

وإليك أقول: 

ما زال في الإمكان أن تولد من جديد، وأن ترسم ملامح فجرٍ مختلف، شرط أن تدرك أن الغد فكرة، أما "الآن" فهي الحقيقة.

فهل تدرك قيمة النبضة التي تسكن صدرك في هذه اللحظة؟

​تأمل الوردة؛ إنها تمنح عطرها رغم الشوك، وتزهر دون انتظار لإذنٍ من الفصول.

كن كالوردة في عطائها، وكالنهر في تدفقه، وكالبذرة في إيمانها أن الظلام مخاضٌ للنور.

ختاماً، أقول لذاتي وللعالم: سأبدأ اليوم.

لن أنظر للوراء إلا للاستبصار، ولن أتطلع للأمام إلا للاستشراف.

لكنني سأعيش "الآن" لأفعل، ولأكون قصيدتي التي لم تُكتب بعد، وفجري الذي ينبثق حين تخفت الأضواء المستعارة.

لعل هذه الكلمات لا تنتهي عند نقطة الختام، بل تتحول في روحك إلى شرارة توقظ العزائم الخامدة.

فمتى يكون البدء إن لم يكن الآن؟

الغد سراب، والأمس غياب، ولم يبقَ لك إلا هذه اللحظة التي تتنفسها.

قف إلى جوار روحك، وأعلنها بملء الكيان: ها أنذا أبدأ.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

14 أبريل 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود