الرقة والابتسامة والكلمة الطيبة: رسائل من القلب إلى القلب. ...د. محمد شعوفي

 الرقة والابتسامة والكلمة الطيبة: 

رسائل من القلب إلى القلب. 

 

هناك في عمقِ كل إنسان قوةً خجولةً تنتظرُ الفرصةَ لتُطلِعَ على الضوءَ، قوةٌ لا تُقاسُ بالحجارةِ ولا بالصلبِ، بل بالنعومةِ التي تنبضُ في قلبِ من يعرفُ كيفَ يُحِبُّ ويُعطيَ. الرقة في طبيعتها الحقيقيةِ هي ما أشعرُهُ عندما أُلمسُ جلدَ طفلٍ نائمٍ، أو عندما تنسجُ الريحُ ألحانَها على أوراقِ الشجرِ في ليلةٍ هادئةٍ؛ إنها كاللمسةِ الحانيةِ التي تلمسُ الجروحَ بلا ألم، كعطرِ الزهورِ الفوّاحِ الذي ينتشرُ في الهواءِ دونَ سعيٍّ، فيُطيّبُ القلبَ وتُعطِرهُ بغيرِ طلبٍ ولا مقابلٍ. الرقةَ لا تُضعفُ الإنسانَ، بل تُجعلُهُ أقوىً من أيِّ قوةٍ ماديةٍ، فهي تفتحُ أبوابَ القلوبِ وتقربُ الناسَ بعضَهم من بعضَ، تُحوِّلُ الصداقاتِ من مجردِ تعاملاتٍ إلى روابطٍ عميقةٍ تُسندُ عليها الحياةُ بأسرِها.

ومن أجملِ ما تنتجُهُ هذهِ الرقةُ من ثمارٍ هي الابتسامةُ التي لا تُخفىُ وراءَها شيئٌ، أراها في وجوهِ الناسِ حوليَ وأدركُ مدىَ قوتِها التي لا تُحاطُ بحدودٍ لغويةٍ أو جغرافيةٍ. 

الجميعُ يفهمون الابتسامةَ بغضِّ النظرِ عن لغتهمِ الأمِ أو ثقافتهمِ الأصيلةِ، هي رسالةٌ موجهةٌ إلى القلبِ مباشرةً، فيردّون عليها بابتسامةٍ أخرى تُكملُ اللحظةَ وتُصنعُها ذكرياتٍ تُخزنُ في جُدرانِ الذاكرةِ بلا تزويرٍ. 

إنها لغةٌ عالميةٌ لا تحتاجُ إلى ترجمةٍ ولا تفسيرٍ، فبمجردِ أن تظهرَ على الوجهِ، تُرسلُ رسالةَ الحبِّ والسلامِ والتفاهمِ إلى كلِّ من يراها. 

لذا فإنِّي أدعوُ نفسيَ وأدعوُ من يسمعُ صوتيَ أو يقرأُ كلماتيَ إلى أنْ يستخدموها بلا خوفٍ ولا حسابٍ، فالابتسامةُ التي تنبعُ من رغبةٍ في الإيجابيةِ فحسبَ قد تكونُ جميلةً، ولكنَ تلكَ التي تنبعُ من أعماقِ القلبِ الصافي هي التي تُغيِّرُ العالمَ ببطءٍ لأنها مؤثرة، تُضيءُ المساراتَ المظلمةَ وتُرشِّحُ الأملَ في قلوبِ من فقدوهُ. 

ويكملُ هذا التربيعُ الخلابِ ما أسميهُ "السلسلة الذهبية للخير" وهي الكلمة الطيبة التي تنبعُ من نفسِ الصميمِ الذي يُولدُ الرقةَ والابتسامةَ. 

الكلمةَ تملكُ قوةً لا يستهانُ بها؛ فكلمةٌ سيئةٌ قد تُحطِمُ قلبًا وتُفسِدُ علاقةً تدعىَ سنينَ، ولكنَ الكلمةُ الطيبةُ حتى لو كانتَ قصيرةً  قد تُشفيَ جروحًا خفيةً وتُعيدُ الأملَ إلى من وصلَ إليهِ صوتُها الحنان. هي كالماءِ العذبِ الذي يُسقيُ الأرضَ الجافةَ، كالضوءِ الذي يُخلصُ من ظلمةِ الحيرةِ، فهي تُثبتُ للمتلقيِ أنهُ مُقدرٌ ومُحبوبٌ، وتُشكِّلُ جسرًا من الثقةِ بينَ قلبِينَ. 

فلا ينبغيَ لنا أبدًا أنْ نُغفلَ قيمةَ الكلمةِ التي نُطلِقُها، بل يجبُ أنْ نُخرِجَها من قلبٍ نقيٍّ، مثلَ ما نحرصُ على أنْ تكونَ ابتسامتُنا صادقةً ورقتُنا حقيقيةً. 

إنَّ الرقةَ والابتسامةَ والكلمةَ الطيبةَ ليسا سوىَ وسائط قوتهُما وكثافتُها تكادُ لا تُحصى، فإذا أردناُ أنْ ننشرَ الوعيَ بأهميَّةِ التفاهمِ والترابطِ بينَ البشرِ، فنبنيَ عليهما وعليها منزلاً من الحبِّ يُستقرُ فيهِ كلُّ إنسانٍ دونَ خوفٍ ولا تمييزٍ. 

في نهايةِ المطافِ، إنَّ ما نبحثُ عنهُ في الحياةِ ليسَ بالقوةِ التي تُهزمُ الآخرينَ، بل بالنعومةِ التي تُقوِّيهمُ، وبالابتسامةِ التي تُمنحُهمُ الأملَ، وبالكلمةِ الطيبةِ التي تُحييُ حياتَهمُ ليُبقَوْا في طريقِ الخيرِ.

 بقلم:

د. محمد شعوفي

01 أفريل 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

لا تستكيني شهرزاد // بقلم أ. علي درويش