نورُ اليقين: مناجاة "ربِّ زدني علماً". .د. محمد شعوفي

 نورُ اليقين:

مناجاة "ربِّ زدني علماً". 


بسم الله، نور السماوات والأرض، ومنبع الهداية الذي لا ينضب.

"وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا"؛ 

ليست مجرد آية تُتلى، بل بوصلةُ الروح حين تضلّ في متاهة الادعاء.

أقف اليوم بين يديك يا رب، لا بلسانٍ يردد الكلمات كما اعتاد، بل بقلبٍ أدرك أخيراً أن سرّ الوجود يكمن في الفجوة الواسعة بين ما نعلم وما نجهل.

أردد هذا الدعاء بظمأ العارف بحاجته، موقناً أن كل ما حصلته من دروب الدنيا ليس إلا قطرةً في محيط غيبك الذي لا ساحل له.

فالعلم الذي أستسقيه منك ليس سطوراً تُحفظ في الكتب، ولا ألقاباً تُعلّق على الجدران.

بل هو نورٌ تقذفه في الروع، فيستحيل الجهلُ بصيرةً تنفذ إلى جوهر الأشياء.

أليس من أعجب العجب أن يظن العابر أنه وصل، وهو لا يزال يحبو في ممرات السؤال؟

أليس وهم المعرفة قيداً أثقل من الجهل البريء، لأنه يُغلق مسامّ الروح أمام نسمات الحقيقة؟

إنني أعلن نفسي تلميذاً أبدياً في مدرسة الوجود، أمشي متخففاً من أثقال الوصول المزعوم، ألتقط شذرات الحكمة كأنها جواهر لم تلمسها يدٌ قبلي.

كلما انطوت شمعةٌ من جهلي، أضاءت في داخلي قناديلُ دهشةٍ لا تخبو.

فالعلم الحقّ، كما علمتني دروب الحيرة، لا يبدأ بامتلاك الإجابات الجاهزة، بل بولادة الدهشة التي توقظ الوجدان قبل أن تنشط العقول.

فلماذا أطلب الزيادة؟

أسألك الزيادة يا رب، لا لأستطيل بها على الخلق، ولا لأبني من المعرفة برجاً أعتزل فيه الناس.

فقد آمنت يقيناً أن العلم إن لم يورث تواضعاً كان حجاباً، وإن لم يثمر خشيةً صار وبالاً على صاحبه.

أطلب الزيادة لأفهم لغة آياتك في الآفاق، وفي أعماق ملكوت نفسي.

وأبصر الحكمةَ المستترة خلف ستار العشوائية الظاهرة.

أريد علماً يصفّي الكدر، ويُعمّق اليقين، ويجعلني أرى بنورك لا بظنوني المتعبة.

وكم هو مؤلم ذاك التناقض المرير؟

كم من "عالم" غرق في بحر نصوصه لأنه لم يتوضأ بماء العمل؟

وكم من "بسيط" نجا بسلامة قلبه لأنه أغلق أبواب الجدل العقيم؟

هنا يشتدّ خوفي، ويستبدّ بي الوجل من مصير المعرفة المنفصلة عن الوجدان.

أخاف أن تتحول الحروف إلى صنمٍ أعبده من دونك.

أو أن أعرف الطريق المستقيم ولا أسلكه.

أو أن أتكلّم بالحقّ ولا أتحول إليه جسداً وحياةً.

لذا أعود إليك بفقرٍ لا يشوبه رياء، وأقول بلسان العاجز الموقن:

ربّ زدني علماً يقرب المسافات إليك، لا علماً ينفخ الأنا ويورث الخيلاء.

اجعله هدياً يضيء عتمتي، لا بريقاً يعمي بصيرتي.

وهذا النداء ليس لي وحدي، بل هو صدى لكل روح أضناها التيه، ولكل عقل أثقلته الأغلال، ولكل قلب يبحث عن مرفأ يقين.

ارفعوا معي أكف الحضور لا الترديد الآلي.

فالعلم هو الباب المشرع على رحمتك الواسعة، والجهل هو السدّ الثقيل الذي يحول بيننا وبين تجلياتك.

لن نقترب من كمالك إلا بسعيٍ مستنير، وقلبٍ لا يكفّ عن طرق أبواب فيضك.

إنني أؤمن، بيقين من لامس الضوء، أن من طلب الحقّ مخلصاً فتحت له خزائن الجود من حيث لا يحتسب.

لقد اختبرت ذلك في ليالي القلق، حين حاصرتني الأسئلة كالذئاب، فما وجدت عاصماً إلا نوراً من لدنك أعادني إلى سكينة التسليم.

وفي عثرات الضعف، حين زلتّ القدم، لم ينتشلني إلا يقينٌ بنيته على المعرفة الصادقة لا على التقليد الأعمى.

فالعلم يا سيدي ليس ترفاً ذهنياً، بل هو قارب النجاة الوحيد في خضمّ هذه الحياة.

والآن، وفي ختام هذه المناجاة التي هي بداية لرحلةٍ أطول، أجدني أكثر افتقاراً لعفوك، وأكثر إدراكاً لقصوري الذاتي:

ربّ زدني علماً.

ربّ زدني علماً.

ربّ زدني علماً.

اللهمّ اجعل ما تعلمته حجةً لي لا عليّ، ونوراً يمتدّ من كلماتي ليمسّ أرواح الآخرين بصدقٍ وفضيلة.

واجعله شفيعاً لي يوم تنقطع الأعمال، ولا يبقى إلا قلب سليم، وعلم نافع تركت أثره في كل عابر سبيل.

آمين يا ربّ العالمين.

بقلم:

د. محمد شعوفي

19 أبريل 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود