نوافذُ النورِ من شقوقِ الألم:...د. محمد شعوفي

 نوافذُ النورِ من شقوقِ الألم:


في رحلةِ الإنسانِ مع ذاتِهِ ومع القدرِ، تشرقُ لحظاتٌ لا تُقاسُ بالزمنِ، بل بعمقِ الوجدانِ.

في لحظةٍ ما، يتوقفُ الزمنُ عند حدودِ الروح، فلا يعودُ الصمتُ فراغاً، بل يصيرُ صوتاً جهوراً ينادينا من الداخل.

هناك، حيثُ تسقطُ الأقنعةُ وتبقى الذاتُ في مواجهةِ حقيقتها العارية، نكتشفُ أن الوجعَ ليس عدواً، بل هو المعماريُّ الذي يعيدُ هندسةَ حضورنا في هذا الوجود.

أقفُ اليومَ في تلك المسافةِ الحرجةِ بيني وبين قلبي الذي يعتصر.

لا لأرتدي رداءَ الشاكي، بل لأمارسَ حقَّ الفهمِ واستغوارِ الذات.

فأهمسُ لنفسي بكلماتٍ لا تولدُ من ترفِ اللغة، بل من صميمِ التجربة، ومن مخاضِ الألمِ الذي أورقَ في داخلي معنى الحياة.

في هذه الدنيا الزاخرةِ بالابتلاءات، أجدني عند مفترقِ الطرق: 

إما أن أُوصدَ أبوابي على عتمةِ اليأس، وإما أن أشرعَ للروحِ نافذةً تُطلُّ على مشارفِ الأمل.

وأنا أكتبُ الآن، وقد سقتني الأيامُ من كؤوسِها المُرَّة، أدركُ يقيناً أن الكلماتِ لا تجبرُ الكسرَ بلمسةٍ سحرية، لكنها تضيءُ للجرحِ معالمَ الطريق.

وتُذكِّرُ كينونتي المتعبةَ بأنها ليست مسافرٍ وحيداً في هذا المدى الفسيح.

يمضي الليلُ مسرعاً لتلبيةِ نداءِ الانبلاج.

وأقولُ، والقلبُ يفيضُ بشجونه: لستُ غريباً في حزني.

مهما تعاظمَ حجمُ المحنةِ، ومهما ضاقتِ الآفاقُ بما رحُبت، فإن في أعماقي قنديلاً لا ينطفئ: 

أن ما يجري ليس عبثاً عشوائياً، بل هو قدرٌ صيغَ بحكمةٍ بالغة، وخيوطٌ نُسجت بدقةٍ قبل أن أُبصرَ النور.

في سكونِ هذا الليلِ الطويل، تعلَّمتُ أن أُنصتَ إلى رنينِ الصبرِ، لا إلى ضجيجِ المخاوف.

هناك، في المخابئِ العميقةِ، وجدتُ بذورَ قوةٍ كامنة، تنبتُ في العتمةِ كما ينمو النرجسُ متحدياً صقيعَ الشتاء.

كلُّ محنةٍ هي استنارة، وكلُّ دمعةٍ هي ريٌّ لتربةِ النفس، وكلُّ انتظارٍ هو نارٌ مقدسةٌ تُنضجُ حكمةَ الروح.

أؤمنُ الآن، بعد أن عانقتُ جراحي وقبلتُها، أنني لا أُكسَرُ إلا إذا تخلَّيتُ عن إرادتي.

وأنني أخرجُ من أتونِ الابتلاءِ أكثرَ نقاءً وصلابةً، ما دمتُ أتحصَّنُ بالصبرِ والاحتساب.

فلن أسمحَ لليأسِ أن يغتصبَ سكينةَ فؤادي، لأن الفجرَ حتميةٌ لا تقبلُ التأويل.

سيغسلُ الفجرُ وجهَ الأيامِ بماءِ الطمأنينة، ويُبدِّلُ ضيقي سعةً، وقلقي سكينةً ووقاراً.

وأعلمُ حقَّ اليقين: 

أن الليلَ، مهما استبدَّ بسلطانهِ، لا يملكُ القدرةَ على حبسِ الشمسِ خلفَ قضبانه.

فكما أن لكلِّ كدرٍ صفاءً يرتجى، فإن للعسرِ يسراً يلحقُ به كظلهِ.

تلك سنَّةٌ كونيةٌ ثابتةٌ لا تحيد.

وما الألمُ إلا جسرٌ للعبورِ، وما المعاناةُ إلا مدرسةٌ تُعلِّمنا كيف نتقنُ فنَّ الفرحِ حين يطرقُ أبوابَنا.

لهذا.. قرَّرتُ ألا أحزنَ كما كنتُ.

إنها سحابةُ ليلٍ عابرة، وسيتبعُها صبحٌ بهيٌّ يشرقُ على مدائنِ قلبي، ويملؤها أملاً وجلالاً.

من يعشقُ الحياةَ حقاً، عليه أن يتقبَّلَ خريفَها كما يحتفي بربيعِها.

بل عليه أن يرى في العتمةِ جمالاً لا يدركُهُ إلا المبصرون بقلوبهم: 

جمالَ النجومِ الساهرةِ، وجلالَ الصمتِ المهيبِ، ودهشةَ اللقاءِ الأولِ مع الذات.

في هذا التقبُّلِ تولدُ الحكمةُ الحقَّة، وفي هذا الثباتِ تُصاغُ ملاحمُ الانتصار.

سأنهضُ الآن بكاملِ كبريائي.

أمسحُ دموعي بهدوءِ الواثقِ، وأنظرُ نحوَ الأفقِ بعينين تدركان أن الظلامَ ليس نهايةَ المطاف، بل هو المنعطفُ الذي يسبقُ الوصول.

فالشمسُ قادمةٌ لتُعلنَ سيادتها، والغدُ يحملُ في جعبتهِ التعويضَ الجميل، والمعنى الذي يُفسِّرُ كلَّ ما انقضى.

الخسارةُ هي التي تمنحُ الكسبَ طعمَهُ، والانكسارُ هو الوترُ الذي يُطلِقُ سهمَ الطموحِ نحوَ عنانِ السماء.

وإني، بعد كلِّ ما ذقتُ من مرارةٍ وشهد، أدركُ أنني أعظمُ من ظنِّوني، وأقربُ إلى لطفِ الخالقِ من حبلِ الوريد.

وأن كلَّ جرحٍ ليس فجوةً في الجسد، بل هو نافذةٌ يتسلَّلُ منها النورُ الإلهيُّ ليرمِّمَ الروح.

في الختامِ، أرفعُ صلاتي لكلِّ ذرةِ أملٍ تقاومُ فيَّ: 

أن يمنَّ اللهُ عليَّ بفجرٍ يليقُ بعمقِ الصبرِ، وبجراحٍ تتحوَّلُ إلى مشاعلَ تضيءُ دروبي وتدلُّني على حقيقتي الضائعة.

لسنا وحدَنا في هذا المضمارِ، فنحن جميعاً مسافرون، نتعثَّرُ، نسقطُ، ونبكي، لكننا ننهضُ دوماً بقلبٍ أقوى.

وفي كلِّ مرة، نصبحُ أكثرَ جدارةً بحملِ قناديلِنا في وجهِ الظلام.

وأقسمُ، أن الحياةَ ما نالت كلَّ هذا العشقِ، إلا لأنها تمزجُ لنا المُرَّ بالعسلِ في الكأسِ ذاتها، لتُعلِّمنا أن الصمودَ هو أجملُ أنواعِ الحب.

وهكذا، لا يُكتبُ الفجرُ إلا لمن يجرؤ على البقاءِ في الليلِ حتى ينتهي.

بقلم:

د. محمد شعوفي

20 أبريل 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود