الأبجدية الأولى والأخيرة ..د. سمير الخطيب

 📍الأبجدية الأولى والأخيرة 


قبل أن تُخلق الأبجديّة، وقبل أن يعرف الإنسان كيف يصفّ الحروف على الورق، كانت العيون تتكلّم. كانت تقول كلّ شيء، ولا تحتاج إلى قاموس.

انظر إليها جيّداً… تلك النافذة الصغيرة المفتوحة على روحٍ بأكملها. فيها تجد ما لا يُقال، وما لا يُكتب، وما تعجز الشفاه عن البوح به. العينُ لا تُتقن الكذب؛ قد يبتسم الفم نفاقاً، وقد تنحني الرقبة مجاملةً، أمّا العين فتفضح صاحبها في لحظة، وتكشف ما خلف الأقنعة المزيفة.

هناك نظرةٌ تعانق، ونظرةٌ تطعن. نظرةٌ تغفر قبل أن تعتذر، وأخرى تُعلن الحرب دون أن ينطق لسان. وهناك 'عين العاشق'؛ تلك التي تلمع ببريقٍ خاص لا يشبهه شيء، ترقبُ المحبوب في الزحام وكأن العالم خلا إلا منه، ترسم ملامحه بالدهشة، وتفضحُ لهفته في صمتٍ لا يقطعه إلا نبض القلب


يقولون إنّ العيون لا تشيخ. وأنا أؤمن بذلك. تتجعّد الوجوه، وتتعب الأيدي، ويخونُ الصوتُ صاحبَه، أمّا العينان فتبقيان كما كانتا في السابعة من العمر؛ دهشةٌ أولى، وبريقٌ لم تُطفئه السنون.

في العيون تقرأ الأمّ جوع طفلها قبل أن يبكي، ويعرف المحبّ أنّه أحبّ قبل أن يعترف، ويكتشف الصديقُ أنّ صديقه مكسورٌ من الداخل رغم ضحكته المرتفعة. في العيون يُقال الوداعُ الأخير، حين تعجز الكلمات عن حمل ثقل اللحظة.

ما أغنى هذه اللغة التي لا مفرداتَ لها، ولا قواعد، ولا دروسَ في المدارس. لغةٌ نتعلّمها دون معلّم، ونُتقنها دون امتحان، ونحملها معنا من المهد إلى اللحد.


العين ليست مجرد أداة للإبصار، بل هي النافذة التي عجز الزمن أن يضع عليها ستائره  . فكم من نظرةٍ كانت بمثابة "حُضنٍ" رمم انكسار روح، وكم من رمشةٍ كانت بمثابة "طبطبة" على كتفٍ أثقلته الهموم."

فإن أردتَ أن تعرف حقيقة إنسانٍ، لا تُصغِ إلى ما يقول… انظر في عينيه، ثمّ أنصت لأبجدية الصمت الفصيح. 


🖋 سمير الخطيب - أفكار وخواطر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود