مناجاة العبور: بوح الصيام في مرآة السنين..د. محمد شعوفي
مناجاة العبور:
بوح الصيام في مرآة السنين
في حضرة الصيام، حيث يصفو القلب وتلين الروح، تبدأ رحلة العبور.
ما أشدَّ غربة الشعور حين تباغتنا شمس صباحٍ غامض من صباحات العمر.
أستيقظُ فأجدني وقد عبرتُ بوابات الثلاثين، ثم الأربعين، ثم بخطىً متسارعة اقتحمتُ عتبة الخمسين.
كأنَّ دهراً كاملاً قد انقضى بين إغماضة عينٍ وانتباهتها.
فأين ذهبت تلك السنون؟
في خلوة هذا اليوم السابع من رمضان، تتوقف الدنيا عن صخبها لتفسح مجالاً للروح كي تهمس.
أشعرُ اليوم أنَّ الزمن ليس ذلك الخط المستقيم الذي توهمناه في شبابنا.
إنه دائرة تدور بنا، لنعود بعد طول شتات إلى نقطة البدء:
إلى ذواتنا التي أهملناها طويلاً.
هل كان الصيام إلا محطة لاسترداد ما فقدناه من أنفسنا؟
أتأملُ وجهي في المرآة، فأرى السنين قد مرّت كريح عاصفة.
لم تترك وراءها إلا تجاعيد رقيقة نحتتها الأيام في زوايا العين، وشيبي الذي غطّى الرأس كثلجٍ هادئ يذكرني بأن الوقت لا ينتظر أحداً.
والساعة المعلقة فوق الجدار تواصل دقاتها بلا هوادة ولا شفقة.
تدفع بنا نحو المجهول بسرعة جنونية تجعل القلب يرتجف خوفاً من نهاية محتومة، أو شوقاً لبداية مجهولة.
لكنّ صمت الصيام يعلمني أنَّ الخوف وهمٌ، وأنَّ المجهول وجهٌ آخر للحقيقة التي نطلبها.
عند هذه المحطة الفاصلة من رحلتي، أقف وقفة المُحاسب لنفسه.
أشرعُ في جرد حسابات الروح ومراجعة دفاتر الأيام الخالية.
كأنَّ الصيام قد جلى بصيرتي، فأبصرتُ ما كنتُ عنه عمياً.
كلُّ نَفَسٍ نتنفسه هو صفحةٌ تُطوى من كتاب العمر.
وكلُّ لحظة تمضي هي جزءٌ من كياننا يرحل ولا يعود.
تتزاحم في خاطري صور الذين عبروا حياتي كظلال أو كأعمدة راسخة.
أتذكر أولئك الذين غيّروا مجرى نهري بكلمة عابرة أو نظرة حانية.
وأستحضر بحسرةٍ تلك الأرواح الطيبة التي غادرتنا مبكراً جداً، تاركة خلفها فراغاً لا يملؤه إلا الألم العذب للذكرى.
في ظلال هذه الأيام المباركة، أشعر أنَّ أرواحهم تحفُّ بنا، وأنَّ المسافات بيننا وبينهم ليست إلا وهماً يذوب تحت حرارة الدعاء.
أتذكر ضحكاتٍ هزّت أركان أيامنا، ودموعاً غسلت قلوبنا من صدأ القسوة.
كان كلُّ وجهٍ عرفته درساً، وكلُّ لقاءٍ قدراً مسطوراً على صفحة وجودي.
أغوص في أعماق الذاكرة لأستعيد لحظات السعادة الخالصة التي ظننتها ستدوم للأبد، فتبخرت كقطرات الندى تحت شمس الواقع.
أسترجع ليالي الوحدة التي واجهت فيها صراعاتي بلا سند.
أدركتُ الآن أن تلك الوحدة كانت لقاءً حميمياً مع الذات، صقل روحي وجعلني ما أنا عليه اليوم.
تتراءى لي أحلام الطفولة؛ تلك القصور الشامخة التي بنيتها في الخيال.
بعضها تحقق بوجهٍ غير الذي اشتهيت، وبعضها تحطم على صخور الواقع، تاركاً في نفسي دروساً في التواضع وقبول القضاء.
الحياة ليست سلماً مستقيماً، بل هي مراحل متباينة الألوان والمذاقات.
في الطفولة كانت رائحة البراءة، وفي الشباب عبير المغامرة.
أما ، في منتصف الطريق، فتسود رائحة النضج والتأمل الهادئ وفي نهايته يعلم الله كيف ستكون.
علمتني الأيام أن الكراهية حجرٌ ثقيل نحمله في صدورنا فيرهقنا قبل غيرنا، بينما الحب هو الجناح الوحيد الذي يحلق بنا فوق مستنقعات الحياة.
وفي هذا اليوم السابع، حيث تفتح أبواب السماء، أستشعر أنَّ الحب هو جوهر العبادة.
فليس الصيام امتناعاً عن طعام وشراب فحسب، بل هو تمرينٌ لغسل القلب من كل ما ليس حباً.
إنَّ الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن "الآن" هي اللحظة الوحيدة التي نملكها حقاً.
المستقبل وعدٌ غير مضمون، والماضي كتابٌ خُتم بالشمع الأحمر، لا نملك تعديل سطوره، لكننا نملك تغيير طريقة فهمنا له.
وفي هذه الأيام التي نتحرى فيها ليلة القدر، نتعلم أنَّ لحظة خشوع واحدة قد تزن عمراً بأكمله.
فقيمة العمر ليست في طوله، بل في عمق ما نعيشه فيه.
وفي ختام هذه التأملات، أرفع بصري للأفق بقلبٍ أكثر اتساعاً.
دعونا لا نندم على ما فات، ولا نقلق مما هو آت، بل نعيش كل لحظة بوعي كامل.
لنزرع في كل يوم بذرة خير قد تثمر في حياة غيرنا بعد رحيلنا.
العمر أقصر من أن نملأه بالحسرات، وأثمن من أن نُهدره في الغفلة عن جمال الوجود.
فلنجعل من بقية الطريق لوحةً يرسمها الحب، وتلونها الابتسامة، ويؤطرها الرضا بما قسم الله.
فالحياة رحلة عودة إلى الأصل، وما يرافقنا في هذه العودة ليس إلا نور ما قدمناه من حبٍ وذكرى حسنة تبقى صدقة جارية في صفحات الزمن.
فما العمر إلا عبورٌ نحو النور، وما يبقى بعدنا إلا أثر الحب والذكرى.
اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
بقلم:
د. محمد شعوفي
25 فبراير 2026 / 07 رمضان
تعليقات
إرسال تعليق