بين عهد القواعد وشفافية الروح....د. محمد شعوفي
تأملات كاتب:
بين عهد القواعد وشفافية الروح.
لأن الكلمة فعل وجود وجسر تواصل، أحببتُ أن أشارككم هذا البوح الذي يوازن بين قيد القاعدة وحرية الروح، صيانةً لنقاء مساحتنا المشتركة ودواماً للودّ.
في زمنٍ تكاثرت فيه الرسائل وضاعت المعاني، تبقى الكلمة الصادقة كالنسمة الباردة في قيظ الصحراء.
لا تمرُّ مرور الغافلين، بل تمسّ الروح حيث تظن الروح أنها منيعة.
والكتابة في جوهرها ليست مجرد توثيق، بل هي
فعلُ وجود وفعلُ انبعاث؛
نكتب لنعرف أننا موجودون، ولنترك بصمةً على رمال الزمن قبل أن تمسحها رياح النسيان.
قبل أيام، حملت إليّ الأقدار رسالةً لم تكن ككل الرسائل، بل كانت كمرآةٍ صافية وُضعت أمامي، لأرى فيها صورة ما أكتب، وأتأمل حدود ما أقول.
كانت رسالةً من شخصٍ عزيز، صيغت بكلماتٍ تحمل في طياتها احتراماً عميقاً وتقديرًا صادقاً، وفي الوقت نفسه كانت بمثابة يدٍ حانية تذكرني، بلطفٍ متناهٍ، بقواعد وأسس المكان الذي يجمعنا.
تلك القواعد التي تنشد الحفاظ على نقاء المساحة المشتركة وتوازنها، بعيداً عن صخب السياسة وجدل الأيديولوجيا لتظلَّ واحةً للأدب والإنسانية الصرفة.
لقد استقبلتُ هذا الحرص بتقديرٍ بالغ؛ فالاحترام المتبادل هو أسمى ما يربط القلوب في زمنٍ تاهت فيه البوصلة.
من هنا، وبكل ما تمليه عليّ شفافية الروح وصدق المشاعر، أردتُ أن أوضح طبيعة ما ينبض به قلمي.
ليس تبريراً لوجودي، فالصدق مع الآخر يبدأ من حيث ينتهي الصدق مع الذات، ولكن تقديراً لوعي القارئ.
إن ما أنشره ليس دعوةً منظمة، ولا محاولةً للتبشير بمذهب أو فرض رأي، ولا خطاباً طائفياً يفرق الناس بدل أن يجمعهم.
كلا...
إن منشوراتي هي مجرد انفعالاتٍ شخصية داخلية، تأملاتٌ روحية وإنسانية تنبع
من تجربتي الخاصة مع الحياة.
و من القراءة التي تسافر بي إلى عوالم لا ترسمها الخرائط، ومن التأمل في ليالي رمضان وما يعصف بالنفس من أسئلةٍ وجودية تطرق الباب كلما هدأت الأصوات.
أكتبها كما أكتب مذكراتي الخاصة، أو كما أشارك خواطري مع أصدقاء مقربين في جلسة هادئة، حين لا مجال للتكلّف ولا حاجة للزيف.
هي جزءٌ مني، من قيمي التي تشكلت عبر السنين، ومن بحثي الدائم عن السلام الداخلي الذي يفرُّ مني كلما ظننتُ أني أمسكت بطرفه.
هي محاولة لمواجهة الأقنعة التي نرتديها أحياناً حتى أمام أنفسنا، خوفاً من رؤية الحقيقة عارية.
لا أقصد بهذه الكلمات تغيير آراء الآخرين، فلكل إنسانٍ طريقته في رؤية العالم.
ولا أسعى لإثارة نقاشاتٍ حادة تثير الغبار بدل أن تنقي الجو، ولا أحب الدخول في مناطق حساسة تمسُّ ما هو مقدسٌ لدى الناس.
إنها تعبيرٌ عن رحلةٍ فردية نحو الوعي الذاتي، ونحو الاقتراب أكثر من الجوهر الإنساني الذي تتشابه فيه كل الأرواح وإن اختلفت الأجساد.
أقفُ فيها كمن يقف على شاطئ الأبدية؛ يحدثُ البحر عن عطشه، لا ينتظر من البحر أن يجف، ولا ينتظر منه أن يُفهم..
غير أنه على الأقل يُسمع.
أشكر ذلك العزيز على صراحته التي ذكرتني بجمال المساحات المشتركة التي يجب أن تظل كالواحات في قفر العالم.
وأؤكد من هنا، أنني أحترمُ تماماً أي قرارٍ يُتخذ لحفظ توازن هذه المساحة، نشراً أو إحجاماً.
أقبلُ ذلك برضا تام واحترامٍ كبير؛ فالرضا بالقواعد ليس ضعفاً، بل هو "قوة العارفين" الذين يقدسون أمانة الكلمة وطهارة الودّ فوق كل اعتبار.
المهم أن يبقى التقديرُ بيننا نابضاً بالصدق، فاليقين الذي يجمع القلوب على الخير لا تفصمه حدود الورق، ولا تباين الرؤى.
في النهاية، سأظلُّ أكتب؛ لأن الكتابة عندي ليست ترفاً بل هي جزءٌ من تنفسي، ووسيلتي الوحيدة لترميم السلام وسط فوضى الأشياء.
سأظل أصنع من الحروف جسراً يكسرُ عزلة الروح ويصلُ ما انقطع بيني وبين العالم، فما كان من القلب سيصلُ حتماً إلى القلب.
شكراً لكل من يقرأ بعين الإنصاف، ولكل من يشارك بحب، ولكل من يحترم خصوصية هذه الرحلة الروحية.
ليتنا نتذكر دائماً أن خلف كل سطر نقرأه إنساناً يكابد ليفهم، وخلف كل رسالة نتلقاها روحاً تفتش عن سكن.
وبين هذا وذاك، تبقى "المحبة" هي اللغة الأسمى التي لا تحتاج إلى ترجمة، والوحيدة التي لا تخضعُ لأي قيدٍ أو حصار.
بقلم:
د. محمد شعوفي
23 فبراير 2026 | 05 رمضان
تعليقات
إرسال تعليق