ترياق الموت بالتقسيط: قيامة الأرواح من موت العادة..د. محمد شعوفي

 ترياق الموت بالتقسيط: 

قيامة الأرواح من موت العادة. 


​رمضان ليس مجرد شهرٍ من الصيام، بل هو موسمٌ يعيد ترتيب علاقتنا بالحياة والموت، ويكشف لنا أن البقاء ليس في الجسد وحده، بل في يقظة الروح.

​في قرارة نفسي همسٌ لا ينقطع.

​صوتٌ يشبه خرير نهرٍ بعيد يدعوني للاستيقاظ قبل أن أتحول إلى شبحٍ يظن أنه حي.

​في صخب الأيام العادية، ننسى أننا نموت كل يوم قليلاً حين نغفو عن أنفسنا، وحين نسمح للروتين أن يلفّنا بكفنه الأبيض الرتيب.

​لكن في رمضان، يأتي النداء مختلفاً.

​يأتي مع أذان الفجر الذي يهزُّ السكون، ومع أول رشفة ماء تسبق الإمساك، ومع تلك الوقفة الخاشعة بين يدي الله ونحن لا نزال نتعثر في نعاسنا.

​عندها أدرك الحقيقة: لستُ هنا لأموت بالتقسيط، بل لأحيا بكل ما أوتيتُ من قوة.

​أذبل حين أغلق على نفسي أبواب العالم، فتظل روحي محبوسة في حدود جغرافيا ضيقة، وتذبل أحلامي جوعاً لمناظر لم ترها عيناي بعد.

​لكنني في رمضان، أسافر كل يوم في رحلة لا تحتاج إلى تأشيرات ولا حقائب؛ رحلة إلى أعماقي، حيث ألتقي بذلك الإنسان الذي وأدتُه تحت أكوام الهموم وسكن الفضاء الأزرق.

​أسافر مع القرآن الكريم في آفاقٍ لا تحيط بها جهات.

​أتنقل بين سورة وسورة، تارة أبكي مع وعيد الآيات، وتارة أرتجف يقيناً مع قصص الأنبياء الذين شقوا دروب الصبر.

​فيا ليتني أقرأ نفسي بصدق تلاوتي للقرآن الكريم، لعلي أجد مخرجاً من سجوني الصغيرة.

​أذبل حين أصمُّ أذني عن سماع تراتيل الذكر التي تُعيد ترتيب ما تشوّه من مشاعري.

​لكن في رمضان، أشرع نوافذ السمع على مصراعيها؛ أستمع إلى آية الكرسي وهي تدوّي في المحاريب، وإلى سورة الرحمن وهي تفيض بالرحمات، وإلى نحيب الإمام في صلاة القيام وهو يغسل القلوب قبل العيون.

​عندها فقط، أشعر بروحي تعود إلى جسدي بعد غيابٍ سحيق.

​أذبل حين أفقد دهشة الرؤية ويستبدُّ بي الاعتياد، فلا أرى من الجمال إلا قشوره.

​أما في رمضان، فالجمال يبعث من جديد؛ أراه في لحظة الإفطار حين يعانق الظمأ برودة الماء، وفي تمرة يابسة تغدو شهداً لا يضاهى، وفي نظرة جائع أطعمه فكأنما أطعم نفسي، وفي سحور يتيم أؤنس وحشته فأجبر كسر وحشتي.

​أذبل حين ينهش الشك احترامي لذاتي، وحين أوصد قلبي خوفاً من أن أبدو ضعيفاً، فأحول صدري إلى حصنٍ منيع لا يدخله الحب ولا يخرج منه النور.

​لكن رمضان يعلمني أن القوة الحقيقية تكمن في الانكسار بين يدي الخالق.

​في صلاة التراويح، حيث تتلاصق الأكتاف، أشعر أنني جزء من جسد واحد، أمد يدي بالصدقة وأقبل يد العون، فأجد السكينة تغمرني من حيث لا أحتسب.

​أذبل حين أستسلم لسلطان العادة، فأمشي الدرب ذاته، وأرتدي اللون ذاته، وأكرر الكلمات ذاتها.

​لكن رمضان يأتي ليحطم صنم الرتابة؛ يغير مواعيد الأكل والنوم، يبدل الأولويات، ويهذب لغة الكلام.

​فيه أختبر الجوع الذي يذكرني بالمحرومين، والعطش الذي يعيد للماء قيمته، والتعب الذي يصقل الروح كما تصهر النار الذهب.

​هنا أخرج من دائرة الأمان الوهمية إلى فضاء اليقين الحقيقي.

​أذبل حين أخنق عواطفي وأخشى البكاء بصدق أو الحب بجنون، فتطفأ الشرارة التي تضيء عينيّ.

​لكن في رمضان، أترك لقلبي أن يتنفس؛ أبكي في السجود بلا خجل، وأفرح بقدوم الشهر كطفلٍ لقي أمه.

​هنا، تعود للقلب حرارته، وتشرق في الروح محبة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام الذين غيروا مسار التاريخ بصرخة يقين واحدة.

​لقد تعلمت من عمر وحمزة رضي الله عنهما أن التغيير ممكن في لحظة، وأن المجهول مع الله هو الأمان المطلق.

​اليوم، وفي رحاب هذا الشهر الكريم، أقرر غير ذلك.

​اليوم أختار أن أعيش.

​أتجرأ على السفر إلى داخلي ولو كان الطريق وعراً.

​أقرأ القرآن الكريم كرسالة سماوية كتبت لي وحدي.

​أنظر إلى السماء في ليالي رمضان، فأبصر جمالاً يجعلني أهتف: 

"سبحانك ما خلقت هذا باطلاً".

​أقبل يد والديّ طمعاً في دعوة مستجابة، وأصلح ما انكسر بيني وبين ربي، وأهجر الذنوب التي أثقلت خطاي نحو النور.

​سأصلي التراويح حتى تتعب قدماي لترتاح روحي، وأتهجد في الثلث الأخير بلا تكلف، كسؤال الطفل لأمه.

​سأعيش الآن في هذا الشهر المبارك قبل أن ينقضي وأندم.

​لن أسمح لنفسي أن تذبل وأنا أملك سُقيا الصيام والقيام.

​فالحياة ليست عدد السنين التي نستهلكها، بل عدد المرات التي نشعر فيها أننا أحياء حقاً.

​ورمضان هو موسم الإحياء الأعظم، فيه تُبعث الأرواح كما يحي الله الأرض بعد موتها.

​فاغتنموه، وأحيوا فيه قلوبكم قبل أن يواريها تراب الغفلة.

​اللهم أعنا على صيامه وقيامه، واجعلنا ممن يخرجون منه بطهر الولادة، أحياء نابضين باليقين، لا أمواتاً يمشون على الأرض.

​فليكن رمضان بداية حياة جديدة، لا محطة عابرة، نخرج منها بقلوبٍ أوسع، وأرواحٍ أصفى، وعزيمةٍ لا تنطفئ.


​بقلم:

د. محمد شعوفي

22 فبراير 2026 | 04 رمضان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح