أعراس جنائزيّة حول النهر..أ. سيف الدين علوي
أعراس جنائزيّة حول النهر
كان الناس ينتشرون على ضفّتي النهر. وكان النهر يأتي من منابعه، هناك في مرتفعات غامضة.. ولم يكن أحد يعرف من أين ينبع. و مع ذلك كانوا يتحلّقون حواليه. يراقبون حركاته، وركض المياه فيه.. المياه في البداية، كانت شحيحة الهَمْيِ.. والجريان كان موسيقيّا رخيما.ثم صار يتدافع من علٍ في دفق أهوجَ ثمّ سرعان ما ينكسر على صخرة تنبو في بطن الوادي، أو يرتطم بزهرة دفلى تتيقظ في المجرى فيعود ذليلا خافتا، لا روح فيه. والناس كثيرون.. كأنّي أعرفهم-ولا أعرف أحدا- يرقبون النّهر وهو ينحني عنيفا متسلّلا برفقة الأشجار باتجاه الشرق طولانيا، يرفل في غموض وبهاء.. يقضي مسافاتِه ويدرك نهايته ثـَمَّ شرقا ثم يتراجع نَفورا. يشقّ البلدة الغارقة في ضباب مشمس باتجاه الغرب حيث لا أحد يحزر أي أرض يجوس وأي مصبٍّ يرتاد.
غالبية البشر في الضفّة السفلى، ضفّة السهول والسّفوح.. بعضهم يصطاد الفراش. آخرون ينبطحون على حد عشب كالأخضر يبدو.. أخريات يرقصن في صمت ويجرين في اتجاهات مختلفة. آخر على مقربة يعقر دابّة.. آخران يغسلان حصانا تتوالج فيه الألوان فلا يتحدّد.. نساء يطهون.. فرح وغموض في ضفّة السّفوح. طابع احتفالي مأتميّ على سهول تلك الضفّة.. والنهر يجري هادئا بين هؤلاء جميعا وآخرين.. والأشجار تقف.. تسترسل في الاخضرار والغرابة والتحديق في النهر والحافّين به.. الناس،ُ بملامح غير متبلورة يستأنفون أعراسهم الجنائزية، الضباب يستأنف التهافت والكثافة.. والنهر يشق الجميع بارعا في الاختراق والإثارة.
في الضفّة الأخرى- ضفة المرتفعات، حيث التصاعد والمرقى التدريجي نحو ذرى لا تتناهى، ربّما هناك في منابع النّهر، كنت على ربوة برفقة أحد الأصدقاء القُدامى، أو هكذا خيّل إليّ.. كنا نقطع بطيخا نتلهّى بأن نولج السكين في القطعة.. تلهينا مشاهد النهر والناس ذوي الملامح الساحرة الغموض والسهول التي بلا لون.. تذهلنا الأصوات التي لا نتبيّن.. الأصوات كانت موجودة. عديدة. متنوعة، تتداخل أحيانا وتنفرد أخرى. تتشابه طورا وتشاب.. وطورا آخرَ، تصفو.. الأصوات كانت موجودة. كثيفة. صاعدة وسائحة في الضباب.. تلتمع مع الشمس.. تجري في الماء.. تدفق.. تنكسر.. تمضي مع النهر.. تحبو.. تطير ولا نسمعها.. لم نسمعْها تتناهى إلينا.. حتى صوتُ صديقي لم أسمعه بما يكفي وهو يومئ أن أمنحه قطعة بطيخ.. كان السكين غارسا في لحم البطيخة.. شيء من اللحم يسيل: لعاب.. زبد.. خمر.. عسل.. شيء لزج يقطر.. يُشتَهَى.. سبانا المشهد، سبتـْنا مشاهد شتّى.. كأنّي سمعت صديقي يحدّثني عن موت رجل مسنّ و يضحك، لم يمت والدُه.. كأنّي سمعت حديثا يشبه هذا .. جعلنا نلحس لزوجةَ ما سال من تحت الطعنة.. تهامسنا.. لم نتهامس.. لا أذكر.. شيئا واحدا أذكرُه.. أنّ حديث الماء علا.. أنّ صخورا شاهدناها تُحْدفُ مِن جوفِ النّهر، فَتَشْظَى..وأنّ الحافّين بالنّهرِ في ضفّتِه السّفْلى داهمَهمْ هلَعٌ أبكمُ.. وأنّ ضفافا تتصدّع على نحو متسارع.. و تباعا صارت الأشجار تخور و بدت تُزدرَد خضراءَ واقفة.. شيئا آخرَ أذكرُ - أنّي بادلت صديقي نشوةَ أنّا في الضفة العليا.. وأنّا ننجو لو أنّنا نركض في التّـوّ إلى أعلى النهر، لو أنّنا نمسك بالصخر الصّلب.. لا رعب الآن.. بدأنا الركضَ إلى أعلى، حفرنا بأظافرنا ما بين الصخر نتشبـّثُ.. الربوة حيث كنّا نجلس، صارت مقبرة، وكل الأشجار غدتْ قبورا، كان صديقي يجري حولي.. و فجأة لم أعد أعرفه. صار طيفا يجري هاهنا و هناك، بلا ملامح واضحة.
صادفت فتاة كأنّي أعرفها من قبل.. ضحِكتْ.. ضحكتُها متعبة. وبلا إيقاع.. وفيها وجع خاثر.. مضتْ هابطة نحو مآتم أعراس النهر.. قلت: فيضـ...فيضان ! لم تنظر لم تسمع.. أنخرطتْ في الزلزال الأصمّ الذي نجَمَ عن تصدّع الضفاف.. ضيّعتُ صديقي.. أحسستُ بداخلي أنه ينجو.. لكني لم أره.. رأيت كثيرا من عشاق النهر يموتون، يُزْدرَدون مع الأشجار. يُلتَهَمون مع الطين. يتشظّون مع الصخر. بُخارا يَعلُون في أنفاس الدّفق الهادر.. لا أعرف إن كنت أدركت نجاتي؟ كيف؟ و أين؟وإنْ كنت قطعتُ كالنّهر مسافاتي؟ كان النهر يهبط في مصبّاته وأنا أصعد نحو منابع لا أتقنها. لا أفهمها. لا ألقاها.. اختفى منحدر النّهر الشرقيُّ.. رأيته يهدأ.. يتباطأ في الركض.. يت؟زن. في آخره عند المنحدرات، في ذيل النهر، باتجاه الغرب، ضاعت تضاريسه.. لكنّ بعض النُّجاة حفّوا به ثانيةً يستقبلون بقايا جثثِ الموتى..
كان النهر يلفظ موتاه صخورا، جذوَع شجر أخضر، حوافرَ خيل، دفـلى، وجه فتاةٍ ضاحكة الثّغر.. صديقا ظننته ينجو.. أزياءَ رفيعةً للرقص.
________
سيف .د.علوي
تعليقات
إرسال تعليق