قصة قصيرة دموع البصل .....!!.د. عبد الرحيم الشويلي

 من الأقوال الساخرة

"في يوم من الأيام… سأجعل البصل يبكي."


قصة قصيرة


دموع البصل .....!!.


فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، اقْتَحَمْتُ المَطْبَخَ وَكَأَنِّي أَتَشَاجَرُ مَعَ الْعَالَمِ. سَلَّةُ الْبَصَلِ وَاقِفَةٌ هُنَاكَ، كَأَنَّهَا تَتَحَدَّانِي، تَضْحَكُ مِنْ بَعِيدٍ، تَتَبَاهَى بِقُدْرَتِهَا عَلَى إِخْرَاجِ دُمُوعِي. الْيَوْمَ، قُلْتُ لِنَفْسِي، سَأقْلِبُ الْمَوَازِين: سَأجْعَلُ الْبَصَلَ يَبْكِي.

أَمْسَكْتُ بِسِكِّينٍ حَادٍّ، وَبَدَأْتُ أَقَطِّعُ. كُلُّ شَرِيحَةٍ تَتَطَايَرُ، وَكُلُّ طَبَقَةٍ تُكْشَفُ كَسْرًا فِي حَيَاتِي، ذِكْرَيَاتٍ دَفِينَةٍ، مَخَاوِفَ مُخْتَبِئَة. الْبَصَلُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ خُضْرَةٍ، بَلْ مَرَايَا صَغِيرَةٌ تَكْشِفُ مَا نُخْفِيهِ عَنْ أَنْفُسِنَا.

وَفَجْأَةً، شَيْءٌ غَرِيبٌ حَدَثَ: كُلُّ شَرِيحَةٍ قَطَعْتُهَا صَرَخَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، دُمُوعٌ حَقِيقِيَّةٌ تَسْقُطُ مِنَ الْبَصَلِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، تَتَقَاطَعُ مَعَ دُمُوعِي، تَتَرَاقَصُ فِي الْهَوَاءِ. شَعَرْتُ أَنَّ الصُّعَابَ، الْمَشَاعِرَ، وَالذِّكْرَيَاتِ الْمَكْبُوتَةِ تَتَحَرَّكُ حَوْلِي، تَتَفَاعَلُ، وَتُرَاقِصُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَطْبَخِ.

— أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ الْبَصَلَ يَبْكِي لِأَنَّهُ مُذْنِبٌ؟ أَمْ لأَنَّكَ أَطْلَقْتَ شَيْئًا مُخْفِيًّا بِدَاخِلِكَ؟ — تَسَاءَلْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ.

وَلَكِنْ لَا جَوَابَ، فَقَطْ صَمْتٌ يُثَقِّلُ الْمَكَانَ، صَمْتٌ يُحَاكِي كُلَّ طَبَقَةٍ تَمَّ تَقْشِيرُهَا وَكُلَّ دُمُوعَةٍ مَسْلُوبَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا.

مَعَ آخِرِ شَرِيحَةٍ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مُخْفِيّ. الْبَصَلُ بَاكٍ، وَأَنَا بَاكٍ، وَالْمَطْبَخُ أَصْبَحَ مَسْرَحًا لِعَالَمٍ كَامِلٍ مِنَ الْمَشَاعِرِ الْمَكْبُوتَةِ، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَبْكِي، كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَضْحَكُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحَ حَيًّا… حَتَّى طَبَقَاتُ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا....!!.


القاص

د. عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

29/مارس/آذار/2026م.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

الاعلام القذر...يوسف نعيم