رحلة السبعة عشر ساعة: حين بكى الزجاج واستيقظت الروح. ..د. محمد شعوفي

 رحلة السبعة عشر ساعة:

حين بكى الزجاج واستيقظت الروح. 


​قبل أن تدور عجلات الحافلة، كان الصمت يسكن الأرجاء كثوبٍ ثقيل ينتظر من يخلعه.

في غمرةِ المسافات، لا يسافر المرء ليغير مكانه، بل ليغير ما استقرّ في أعماقه من ركود.

فكل طريق مقطوع هو في جوهره جلاءٌ لمرآة الروح أمام حقائق الوجود.

انطلقت بنا الرحلةُ عند الخامسة والنصف مساءً، وحقيبة القلق الخفي تثقل كاهلي أكثر من حقائب السفر المكدسة في العنبر.

تمتدُّ الطريق لسبع عشرة ساعة، ليست كأرقامٍ في عمر الزمن، بل كمخاضٍ طويل من الصمتِ المتقطع بأنين الإطارات على الأسفلت المبلل.

فجأة، بدأ المطرُ ينهمر بعنفٍ غير متوقع، وضربت قطراتُه الزجاجَ ضرباتٍ متلاحقة كأنها تريد اختراق حاجز الأمان.

ارتجفت الحافلةُ قليلاً تحت وطأة الرياح، وهنا التفتُ إلى طفل صغير كان مع والدته بالقرب مني، قد التصق وجهه بالزجاج البارد، وعيناه الواسعتان ترسمان دهشةً ممزوجةً بخفة ظلٍّ طفولي لا يملكها الكبار.

هل هناك من يتعلم التواضع من طفلٍ يرى في العاصفة لعبةً بينما يرى فيها الكبار تهديداً؟

في إحدى محطات التوقف المؤقت، نزلنا لنشرب شايًا ساخنًا يدفئ أطرافنا المتجمدة، فوجدتُ رجلاً مسنًّا يمسك بيده كوبًا بلاستيكيًا رخيصًا ويبتسم للسائق قائلاً: 

"الله يعينك يا بني، الطريق طويل لكن الله أقرب".

في تلك اللحظة البسيطة، بين بخار الشاي وابتسامة ذلك الغريب، شعرتُ بأن الجدار الذي يفصل بين "الأنا" و"الآخر" قد انهار تمامًا.

عدنا للحافلة، والمطرُ الآن يتحدث بلغة الانسكاب الهادئ على الزجاج، فأدركتُ أنني لستُ بصددِ انتقالٍ جغرافي، بل في حضرةِ مدرسةٍ كونية.

كيف للمرء أن يظنّ أنه سيّدُ المصير، وهو يرى عظمة الطبيعة تفرضُ إيقاعها ببردٍ قارسٍ وغيمٍ لا يُهادن؟

بينما كنتُ أراقبُ السماء وهي ترتدي الغمام وقاراً، تذكرتُ كيف كنا نخطط لكل دقيقة في حياتنا، بينما هنا تتحكم قطرة ماء واحدة في مصير رحلتنا كلها.

وفي تلك الخلية الحية التي جمعتني بزوجتي وابني وسط ركابٍ غرباء، تلاشت المسافاتُ الفردية.

رأيتُ أمًا تُرضع طفلها بهدوء رغم اهتزاز الحافلة، ورأيتُ شابًا ينام رأسه على كتف غريب لم يره من قبل، فالمشقةُ حين تُقتسمُ تصبحُ رابطةً إنسانية مقدسة.

الصمتُ المشتركُ حول فنجان شايٍ في محطات التوقف أصبح لغةً أبلغ من هتاف الكلمات الرنانة.

لقد قدتنا الأقدارُ في سبع عشرة ساعة من التجلي، وكان السائقُ فيها يتهادى بحذرٍ يشبه حكمة الشيوخ، يداه تمسكان المقود وكأنهما تمسكان أرواحنا جميعًا.

كانت الرياحُ تهمسُ للقرى الغافية بأنّ العابرين لا يحملون معهم الحقائبَ فحسب، بل يحملون حنيناً لا يهدأ وذكرياتٍ تبحث عن منفذ.

وعندما عانقنا "سطيف"، كان المطرُ هناك طقساً من طقوس التعميد الروحي، يغسلُ وعثاء السفر ويكشفُ عن معدنِ الصبر الذي كنا نظن أننا فقدناه.

هناك، بين رذاذ الليل وطرقات المدينة وأضواء الشارع المنعكسة على البرك المائية، تعلمتُ درساً لم تجلبه لي سنوات الدراسة ولم أطلع عليه في أمهات الكتب.

تعلمتُ أن الحكمة لا تُقتنصُ من بطون الكتب أو زخرف المجالس الفخمة.

بل تُستخلصُ من أنين العظام تحت البرد، ومن إيقاع القطرات التي تطرقُ النوافذ لتوقظ فينا "الإنسان" النائم منذ زمن.

إنني أستعيدُ الآن صور تاريخنا الجمعي، حيث كان الغيثُ دائماً بشارةَ بعثٍ ورمزاً للخصوبة.

فأوقنُ أن رحلتي هذه كانت اغتسالاً من أدران العادة، وصفاءً يجعلني أكثر جسارةً في مواجهة الوجود بوعيٍ متوقد.

ونحن الآن، نواصلُ المسير في طريق الحياة، لا تزال الساعاتُ تمتدُّ أمامنا كأفقٍ مفتوح على المجهول، لكنني أشعرُ بوقارٍ داخلي لم يكن معي حين انطلقت.

فالأمطارُ التي بللت عزمنا لم تكن عائقاً، بل كانت صقلاً لروابطنا وتقويةً لإرادتنا في كبدِ الحياة.

لقد علمتني الرحلةُ أن المسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمدى ما نتركه خلفنا من أوهام، وبمدى ما نحمله معنا من نضج.

فليست العودةُ رجوعاً إلى نقطةِ البدء، بل هي ارتقاءٌ نحو ذواتنا الأكثر صدقاً.

لأننا لا نعودُ أبداً كما كنا، بل نعودُ كما يجبُ أن نكون.

وفي نهاية هذا المطر، ندرك أن الوجهة الحقيقية لم تكن مدينةً على الخريطة، بل كانت ذلك السلام الداخلي الذي وجدناه وسط العاصفة وبين ابتسامات الغرباء.

فالمطر قد يتوقف، والعاصفة ستنقشع حتماً، لكن الأثر الذي تركته في الأعماق سيبقى كينبوع لا ينضب؛ لأننا أدركنا أخيراً أن الحياة ليست مجرد عبور من مكان إلى مكان، بل هي رحلة مستمرة لصقل الروح بملح التجارب وقطر اليقين.

.

بقلم:

د. محمد شعوفي

29 مارس 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود