ملحمة خلع الأقنعة: أوجعني بصدقك. ..د. محمد شعوفي

 ملحمة خلع الأقنعة: 

أوجعني بصدقك. 


قبل أن نخطو أولى الخطوات في درب الوعي، يجب أن نجرّد العيون مما اعتادته من ستر.

فالحياة ليست مسرحاً تُؤدى فيه الأدوار بحكمة المزيفين، بل هي مرآة عارية لا تعكس إلا ما نجرؤ على مواجهته.

ليس الوعي ترفاً ذهنياً، بل هو استحقاقٌ ننتزعه من مخالب الزيف حين نقرر أن نحدق في وجه الشمس دون غطاء.

فالإنسان في جوهره موقف، ولا يكون الموقف أصيلاً إلا إذا صِيغ بنار الحقيقة العارية.

حين تضيق بي المسافات، وأجدني محاصراً بين ما أود سماعه وما يجب أن أواجهه، أكتشف أن الإنسان لا يُختبر في سكون راحته، بل في صلابة وقوفه أمام حقيقةٍ تأتي مجردة من كل تجميل.

من هنا أكتب، لا طلباً لتعاطفٍ عابر، بل بحثاً عن نجاةٍ لا يمنح صكها إلا الصدق المطلق.

أوجعني بالحقيقة، ولا تسلّني بالكذب.

أكتب هذه الكلمات وأنا أستشعر ثقلها الذي يتسرب إلى مسام روحي، كأنها وصية الوجود لنفسه قبل أن تكون خطاباً يخترق ضجيج هذا العالم المزدحم بالادعاء.

الحقيقة، مهما تجلّت بقسوتها، هي النور الذي لا يلدغ العينين إلا ليعلّمهما كيف تبصران في العمق.

وهي السيف الذي يقطع أوصال الخداع، لا ليميت الروح، بل ليحيي في مواضع القطع وعياً جديداً يتنفس الصدق.

قد تدميني هذه المواجهة، وقد تترك في الذاكرة ندبةً تسرد حكايتها كلما عبثت بي رياح الشك.

لكنها تفتح لي باباً نحو بصيرةٍ أصفى من دمعة، ونحو حياةٍ أصدق من أن تُختزل في كلماتٍ معلبة.

ما الكذب إلا مخدّر زائف؟

إنه يسكن الألم لحظة، ثم يترك الروح تتخبط في تيهٍ لا قرار له.

كلما ظننت أني بلغت برّ الأمان عبر الوهم، اصطدمت بسرابٍ لا تنتهي دهاليزه المظلمة.

لقد جربت النقيضين حتى استوت قناعتي، كتبلور الملح من ماء البحر الأجاج.

الحقيقة، وإن سالت من جرحها غصة، تمنحني سيادةً لا يهبها أي وهمٍ ناعم.

حين أواجهها، أتعلم كيف أكون أكثر صلابة من صخرٍ لا تلينه الأعاصير العاتية.

وأكثر وضوحاً من ضوء الفجر حين يغسل وجه النهار من بقايا العتمة.

كم من مرة خنقتني الحقيقة في حنجرتي؟

فظننت أني سأقضي نحبي من فرط التوتر والألم.

لكنني لم أمت.

بل انفجر في صدري نبعٌ أصيل، لم أكن أعلم أنه كان ينتظر تلك الغصة ليشق طريقه نحو الضوء.

أما حين أُسقى بالكذب، فأنا أُسلب أثمن ما أملك: حقي في أن أكون إنساناً.

أُحرم من رؤية الطريق كما هو، بحفره وعثراته التي تصقل التجربة.

فأظل أسيراً لدوامة من الزيف، لا تنتهي إلا بخيبةٍ تغتال ما تبقى من كرامة الأمل.

أنا لا أعشق الوجع لذاته، لكنني أؤمن أن الألم العابر هو ثمن التحرر من التخدير الدائم.

صحيح أن الحقيقة قد تحرق، لكن النار هي التي تطهّر الجروح التي تعفنت تحت صمت المداهنة.

الحقيقة تحررني من زحمة الأقنعة التي نضطر لترصيعها كل صباح قبل أن نواجه المرآة.

والكذب يقيدني بسلاسل من وهم، كلما حاولت خلعها ازدادت إحكاماً حول عنق الإرادة.

إن رحلة الإنسان نحو الوعي ليست نزهة في بستانٍ من الورد.

بل هي تسلّقٌ شاق لجبلٍ تنهار صخوره تحت قدميك مع كل خطوة صدق.

لكن القمة هناك، تخفي فجراً لم نتصور يوماً أن الضوء يمكن أن يكون بهذه الطهارة وهذا البهاء.

لهذا، أرفع صولجان صوتي من ذلك العمق الذي لا يسمعه إلا من كانت لصمته نوافذ مشرعة على الحقيقة:

أوجعني بالصدق، ولا تخدعني بالوهم.

جرح الصدق يلتئم ليترك وساماً يعلمني كيف لا أرتهن للخوف مرة أخرى.

أما سم الكذب، فيسري في العروق حتى يفسد الروح، وحينها لا تعود هناك ذاتٌ تستحق الإنقاذ.

في خضم هذه الملحمة البشرية، أدركت أن هذا المطلب ليس مجرد صرخة في لحظة ضيق.

بل هو موقف وجودي وأخلاقي أصيل.

إنه إعلان ولاء للجوهر، مهما كان ثمنه من عزلة أو سوء فهم.

إنني أختار الحقيقة لأنني اخترت أن أكون حراً.

والحرّ لا يلدغ من جحر الزيف مرتين، بل يواجه الجحر نفسه بيقظته.

لن تصبح الحياة أكثر نقاءً لأننا ردمنا قبحها بالكلمات المنمّقة.

بل لأننا امتلكنا الشجاعة للنظر إليه دون أن نحوله إلى وثنٍ نعبده بالصمت.

ولن تنمو الكرامة في تربةٍ من التزييف.

فالكرامة تحتاج إلى حقيقة ثقيلة وراسخة كي تتجذر في عمق الأرض وتطاول السماء.

فليكن الوعي ميراثنا الذي لا يُسلب.

وليكن الصدق عهدنا الذي لا ننقضه حين تتبدل المصالح والمنافع.

ولتكن الحقيقة، مهما كانت متعبة ومرهقة، هي الجسر الوحيد الذي نعبره نحو حياةٍ تليق بقداسة الإنسان.

فحين تُخلع الأقنعة، لا نبقى عراة، بل نعود إلى أصلنا الذي خُلق ليكون حراً، صريحاً، وصادقاً حتى النخاع.

بقلم:

د. محمد شعوفي

28 أبريل 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح