خديعة الأوراق وشهادة الروح:..د. محمد شعوفي
خديعة الأوراق وشهادة الروح:
في سكون الليل، حين تصمت الأصوات الصاخبة ويبقى صوت الضمير مدوياً، وضعتُ حقيبة السنين جانباً.
نظرتُ إلى تلك الأوراق المرصوصة بعناية، والميداليات التي يغطيها بريقٌ بارد، وسألتُ نفسي سؤالاً هزّ أركان طمأنينتي الزائفة.
في زمنٍ باتت فيه الشهاداتُ عملةً تُتداول، والألقابُ سلعةً تُباع، وقفتُ طويلاً أتأمل مسيرةً امتدت سنين، لأكتشف أن أثقل ما حملتُه في حقيبتي لم يكن كتباً ولا أوراقاً، بل كان سؤالاً واحداً لم أجرؤ طويلاً على مواجهته.
هل ما تعلمتُه جعلني إنساناً أفضل، أم مجرد موظفٍ أرفع؟
أكتب هذه الكلمات مستحضراً رحلةً لم تكن مجرد عبورٍ بين قاعات الدرس، ولا تراكمٍ لشهاداتٍ ممهورةٍ بالأختام، بل كانت بحثاً شاقاً عن "المعنى" في زمنٍ حوّلنا فيه الورق إلى أيقوناتٍ نعبدها، والقاعاتِ إلى معابدَ نقدسها، والدرجاتِ إلى غاياتٍ نلهث خلفها، متناسين أن العلم نورٌ لا يضيء إلا إذا أضاء صاحبه أولاً.
وقفتُ ذات يومٍ أمام مرآة الضمير، وقد امتلأت يداي بكل ما يمكن أن يُطلب:
شهاداتٌ عليا كالنجوم، وأوسمةٌ كالأقمار، وتكريماتٌ كالزهور تتفتح على منصات المجد.
كنتُ أظن أنني بلغتُ قمة المعرفة ومسستُ عنان السماء.
لكن صوتاً داخلياً هادئاً، كهمس الماء في قرارة البئر، سألني:
"كلُّ ما بين يديك.. هل هو أنت، أم هو مجرد ورق؟"
نعم، هو ورقٌ فاخرٌ كالديباج، مختومٌ بأرفع الأختام كخواتم الملوك.
لكنه يظل صامتاً كقبرٍ لا يتكلم، ولا يشهد على خُلُق، ولا يضيء طريقاً، إن لم يُترجَم إلى سلوكٍ كالغيث حين يلامس الأرض العطشى.
عندها انفتحت عيناي على حقيقةٍ كنتُ أتوارى عنها:
أن الشهادة الحق ليست ما يُعلَّق على الجدران، بل ما يُرى في تفاصيل الحياة اليومية.
أين أثر العلم في التواضع حين نملك ما يدعونا إلى الغرور؟
أين أثره في الرحمة حين نقدر على القسوة؟
أين أثره في الصمت حين يكون أبلغ من الكلام؟
وفي العدل حين تهمس المصالح في أذن القلب بغير الحق؟
لقد أسرفتُ في جمع الشهادات حتى صارت حروفي كأنهارٍ تجري بلا توقف، لكنني نسيتُ أن الأنهار لا قيمة لها إن لم تروِ ظمآن.
تعلمتُ أن قيمة العلم ليست في عدد الأثقال التي نحملها كالنوق، بل في الأثر الذي تتركه فينا كالنحت على الصخر.
فالعلم النافع هو الذي يصقل الأخلاق حتى تصير كالمرآة، ويجعل الإنسان أكثر تواضعاً كلما ارتفع مقامه، كالنخلة كلما ازدادت طولاً ازدادت انحناءً نحو الأرض.
وما زادني يقيناً، أنني رأيتُ من يحمل أعلى الدرجات، لكن سلوكه كان كالسراب؛ يظلم من دونه، ويتعالى على من حوله، ويجعل شهادته سوطاً لا مشعلاً.
ورأيتُ آخرين لم ينالوا حظاً وافراً من الأوراق، ومع ذلك كانوا يفيضون حكمةً كالبحر، وإنسانيةً صادقةً كالفجر حين يتنفس.
هناك، فهمتُ أن الفرق بين العلم والتربية كالفرق بين "المركب" و"الملاح"؛ فما قيمة السفينة العظيمة إذا كان ربانها تائهاً؟
إن الشهادة قد تفتح باباً، لكنها لا تصنع مكانةً في القلوب.
أتعجب ممن يباهي بشهادةٍ حبرها لم يجف، ويتجاهل جراحاً بثّها في قلوب الناس بفظاظة طبعه.
إن المعلم الحقيقي لا يُقاس بما يُفرغه من معلومات، بل بما يزرعه من قيم.
المعلم هو "الشهادة الحيّة"؛ يتعلم منه الناس من وقاره وسكونه قبل منطقه وكلامه.
لذا، أقول لنفسي قبل غيري:
لا تفتخر بما تحمل من أوراقٍ مهما غلت، بل افتخر بما تحمله من قيمٍ لا تبلى.
اجعل سلوكك هو شهادتك التي لا تُزوَّر، فهي اللوحة التي ترسمها كل يوم بمداد أفعالك.
فإذا سُئلتَ يوماً:
"ما أعظم دليلٍ على تعليمك؟"
فلا تُخرج دبلوماً أصفرته الأيام.
بل أخرج قلباً نقياً، وعقلاً واعياً، وخُلُقاً رفيعاً.
فالشهادات كالخريف تتساقط أوراقها، أما التربية فتبقى كالروح، تشع في ملامحك وتؤنسك في وحشتك.
الشهادة الحقيقية هي أن تشهد لك السماء بأنك كنت على الأرض رحمةً لا نقمة، ونوراً لا ظلمة.
ومن ظن أنه انتهى من التعليم فقد بدأ الجهل به، ومن أيقن أن الشهادة نهاية الطريق، فقد ضاع في منتصفه.
بقلم:
د. محمد شعوفي
29 أبريل 2026م
تعليقات
إرسال تعليق