عندما يبتلع الضجيج المعنى: إستعادة روح الإبداع في فضاءات الحشد..د. محمد شعوفي
عندما يبتلع الضجيج المعنى:
إستعادة روح الإبداع في فضاءات الحشد.
في زمنٍ يُختزل فيه الأثر إلى أرقام، ويُقاس فيه حضور الكلمة بعدد التفاعلات، بات لزاماً أن نتوقف لنطرح سؤالاً لا يحتمل التأجيل.
هل نلمس أمامنا نهضةً أدبيةً صادقة، أم نلهث وراء مظهرٍ رقمي يخدع البصر ويُفرغ الحرف من روحه؟
بينما نلهث خلف بريق الأرقام، تضيع منا بوصلة الحقيقة.
أقف اليوم على تخوم هذه المساحات الافتراضية، لا كعابرٍ يرقب المشهد من بعيد، بل كروحٍ قلقة تبحث عن صدى يشبه طهر الفطرة.
أدخلها بشوقٍ إلى الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت، وبظنٍّ مسبق أنني سأجد جناتٍ تروى بماء المعنى، وتُصان فيها اللغة من هجير الابتذال.
لكنني، شيئاً فشيئاً، بدأتُ أبصر مشهداً مغايراً ينبتُ في العتمة.
حديقةٌ كانت واعدة بالاخضرار، فإذا بها تنقلبُ سوقاً تعلو فيه الصيحات، وتتشابك فيه النداءات، حتى غدا الصدى أضخم من الصوت الأصل، وصار الضجيج عنواناً أوحد للجمال.
وهنا، توقفتُ أسائلُ وجداني:
هل نحن حقاً في محراب الأدب، حيث تُصهر الأرواح قبل أن تُسكب الكلمات؟
أم أننا انزلقنا، بوعيٍ أو بدونه، إلى فضاءٍ يُقاس فيه النجاح بجرد القوائم وحشد الحاضرين، لا بعمق الأثر في النفوس؟
ومتى استُبيحت الكلمة، فاستحالت من نورٍ يُهتدى به، إلى بضاعةٍ يُنادى عليها في مزادات الاستعراض؟
ومتى صار الإبداع رهيناً بالضجيج لا بالصدق؟
إن الشعر والأدب
— كما أوقن — ليسا بضاعةً تُعرض، ولا كرنفالاً يُقاس بزحام التفاعلات.
إنه لحظة انكشافٍ كوني، يلتقي فيها المبدع بذاته العميقة قبل أن يصافح الآخرين.
هو همسةٌ خفيّة في مسمع الزمن، لا صرخةٌ مجلجلة في سوق العابرين.
وحين نحوّل هذه اللحظة المقدسة إلى سباقٍ محموم لاستقطاب الأرقام، فإننا لا ننشر الإبداع، بل نغتالُ روحه ونفرغه من محتواه.
لستُ أنكر أن للكلمة أجنحة، وأنها قد تحتاج لمن يطلقها في الفضاء.
لكنني أجزمُ أن جناحيها اللذين لا تطير بدونهما هما:
جمال الصياغة، وصدق النية.
أما حين يصبح النداء هو الجناح الوحيد، فإن الكلمة قد ترتفع قليلاً بفعل الرياح المستعارة، لكنها سرعان ما تهوي في قاع التكرار والسطحية.
لقد أبصرتُ كيف يختنق صوت المبدع المترفع وسط صخب الدعوات الجوفاء.
وكيف توارت النصوص الشامخة تحت ركامٍ من حضورٍ ضاجٍّ بلا أثر.
رأيت شعراء يطوعون اللغة كالمعدن النفيس، لكنهم آثروا الانسحاب لأنهم لا يتقنون فن المناداة.
وفي المقابل، رأيتُ من يملك مهارة الحشد وهو لا يملك من نبل الحرفِ قيراطاً.
ومع ذلك، يظل التاريخ حكماً عدلاً، فلم يُخلّد صوتاً لأنه كان الأعلى، بل لأنه كان الأبقى أثراً.
وهنا يستوقفني أبو الطيب المتنبي، لا كاسمٍ في سجلات الماضي، بل كمنهجٍ لا يشيخ.
لم يكن ديوانه يحتاج إلى إعلاناتٍ عابرة، بل كان نداءً كونياً انبثق من لظى التجربة، فاستقر في ضمير الوجود.
ومن هذا المنطلق، لا يستقيم التشخيص دون وضع النقاط على حروف المسؤولية.
كلمتي هذه أوجهها إلى القائمين على سدة هذه المنتديات والمساحات، أنتم حراس الثغور، ومسؤوليتكم التوجيه قبل التنظيم.
إن نهضة الأدب لا تقوم على كثرة المهرجانات، بل على جودة القرابين التي تُقدم على مذبح الحرف.
ولا ترتقي الأمم بكثرة دروع التكريم، بل بصرامة المعايير وصدق الاستحقاق.
فليعد النقد البنّاء إلى مكانه الطبيعي، بوصلةً تُهذّب الشطط، لا مجاملةً تشتري الود.
وليكن التوجيه ركيزةً لصقل المواهب، لا عبئاً يُثقل الكواهل.
أما التكريم، فواجبٌ أن يُحرر من قيد العلاقات أو حجم الحضور، ليكون وساماً يُمنح لعمق الرسالة وجزالة الإبداع.
ولا ننسى أن القارئ شريكٌ في هذه المعادلة، فاستهلاكه للنص بحكمة أو بتسرعٍ هو ما يحدد مصيره الثقافي.
أدركُ يقيناً أن هذا البوح قد لا يروق لمن اعتادوا الصخب، وربما يُقابَل بالتحفظ أو الإنكار.
لكنها نصيحةٌ أملتها الغيرة على الحرف، نرجو بها رفعة هذه المساحات، كما نرجو بها رفعة أمتنا في مدارج الحضارة.
إن الخلل لم يكن يوماً في الوسيلة التقنية، بل في ترتيب القيم.
حين نقدّم الضجيج على المعنى، نختل.
وحين نجعل الكم ميزاناً للحق، نفقد الجوهر.
إن المخرج من هذا التيه يكمن في إعادة الاعتبار للأصل، أن يصبح النص نفسه هو الداعي لنفسه.
أن يكون الجمال كافياً ليُبصر، والصدق كافياً ليُسمع.
فالكلمة التي تُكتب بمداد الوعي، ستجد مرساها ولو بعد حين.
أما تلك التي تُدفع بقوة الدعاية، فمصيرها النسيان.
لذا، أدعو نفسي أولاً، وأدعو رفاق هذا الحرف:
دعونا نعيد ترتيب علاقتنا بالكلمة.
دعونا نصقل ما نكتب في خلواتنا قبل أن نعرضه على الملأ.
اجعلوا الجودة غايةً مقدسة، وكونوا أوفياء للمعنى قبل الحرص على الظهور.
لأن الكلمة التي تستحق البقاء، لا تحتاج إلى منادٍ يصرخ باسمها.
هي كالشجرة الضاربة في أعماق الأرض، تُرى من أقصى الأفق، ويهتدي إليها كل ظمآنٍ يبحث عن ثمرٍ أو ظل.
تبقى، لا لأنها دُعيت، بل لأنها استحقّت الخلود.
حينها فقط، ستعود هذه المساحات إلى جوهرها:
ملتقىً للأرواح التي تطلبُ المعنى لا المظاهر، لا ساحةً للمتسابقين إلى مجرد الصدى.
موطناً للكلمة التي تُنسجُ بوعيٍ وصبر، لا زحاماً عابراً تذروه رياح الاستعجال.
وسيبقى الإبداع حيّاً، ما دام الحرفُ أمانةً تُصان، والجمالُ معياراً لا يُساوَم، والصدقُ وحده هو من ينحتُ الأثر في جدار الزمن.
بقلم:
د. محمد شعوفي
17 أبريل 2026م
تعليقات
إرسال تعليق