يومٌ بلا هاتف ✍️: سمير الخطيب

 يومٌ بلا هاتف


✍️: سمير الخطيب


فقده في الصباح الباكر.


لم يدرك ذلك إلا حين مدّ يده إلى جيبه الأيسر — تلك الحركة التي باتت كالتنفس، لا إرادية كرفّة الجفن — فلم يجد شيئاً. أعاد الكرة. مرتين. ثلاثاً. فتّش الجيب الأيمن، ثم الخلفي، ثم عاد إلى الأيسر كأنه يظن أن الهاتف ربما تذكّر نفسه وعاد. نظر إلى يده بتهمة صامتة.


كمال أفندي، موظف في الخامسة والأربعين، ذو لحية رمادية وحذاء بني قديم يحبه أكثر مما ينبغي، وقف على رصيف المحطة وشعر بشيء أشبه بالسقوط — لا سقوط الجسد، بل ذلك السقوط الداخلي الهادئ الذي لا يصدر صوتاً ولا يراه أحد.


أين وضعته؟ على الطاولة بجوار القهوة؟ سقط من الجيب في التاكسي؟ لا... ربما البيت. نعم البيت. لكن لا وقت للعودة.


حاول أن يحسب: كم الساعة الآن؟ لا يعرف. كان يعرف الوقت دائماً لأن الهاتف يعرفه. نظر حوله كمن يبحث عن شيء في مكان لا يتذكر ماذا جاء يفعل فيه، فرأى ساعة المحطة الكبيرة معلّقة فوق الجميع، صفراء وفخورة، تؤدي وظيفتها منذ عقود لأناس مثله لا يرونها.


السابعة وثلاثة عشر دقيقة.


القطار جاء كما يأتي دائماً: بلا اعتذار.


جلس عند النافذة بالصدفة — المقعد الوحيد الخالي. في العادة كان يجلس أينما وجد مكاناً ويفتح الهاتف فوراً، فلا يرى من الرحلة إلا محطة البداية ومحطة النهاية. لكن اليوم لم يكن هناك ما يفتحه.


في البداية لم ينظر إلى الخارج. جلس وأصابعه تتحرك بلا هدف على ركبتيه، تبحث عن سطح زجاجي لتمسحه. رأسه كان مليئاً بالضوضاء:


هل اتصلت زوجته؟ هل وصل سامي إلى المدرسة؟ هل فاتته إيميل من المدير؟ ماذا لو كانت هناك مكالمة طارئة؟ ماذا لو...


"ماذا لو" — تلك العبارة الصغيرة الكافرة التي تفتح أبواباً لا تُغلَق.


حاول أن يقرأ إعلانات العربة. قرأها كلها. ثلاث مرات. عن شركة تأمين وعن دواء للضغط وعن محطة تجارية جديدة. ثم نفد ما يقرأه.


فنظر إلى النافذة.

كانت الضواحي تمر كأوراق كتاب يُقلَّب بسرعة. بيوت صغيرة بأسطح عليها صحون لاقطة وغسيل منشور، خزانات مياه زرقاء متشققة، حوائط كتب عليها أشياء محيت إلا من بقاياها. حديقة خلفية فيها كرسي بلاستيكي أبيض وحيد لا يجلس عليه أحد. شجرة تين ضخمة تطغى على سور بيت صغير كأنها قررت ذات يوم أن تكون أكبر مما يسمح له البيت.


لم يكن قد رأى هذا من قبل.


يمرّ بهذا الخط كل يوم منذ أحد عشر عاماً، ولم يكن قد رأى هذا الكرسي الأبيض الوحيد.


ثم انتقل بعينيه إلى داخل العربة.


أمامه مباشرة جلست امرأة في الخمسين، بمعطف بُنّي داكن وشال أخضر اشترته في العشرين ربما — نوع الشال الذي لا يُستبدل لأن صاحبته لا ترى سبباً وجيهاً للاستبدال. كانت تحمل كيساً كبيراً على حجرها وتمسكه بكلتا يديها كأنه قد يهرب. عيناها تنظران إلى شيء لا يراه أحد غيرها، بتلك النظرة التي تعني أن الرأس مشغول بحساب قائمة تسوق أو بحوار لم يحدث بعد أو بكليهما معاً.


على يمينه شاب لا يتجاوز العشرين، نائم بزاوية مستحيلة — رأسه على الكتف، فمه نصف مفتوح، يرتدي معطفاً فيه شريط مقطوع عُقد بعقدة غير محكمة. على حضنه كتاب هندسي سميك ينزلق ببطء نحو السقوط. كمال أمسكه قبل أن يقع، ووضعه بلطف على المقعد بجانب الشاب. لم يصحُ.


خلفه مباشرة رجل عجوز يقرأ جريدة ورقية — جريدة حقيقية، تُطوى وتُفتح بصوت تلك الأصوات التي كانت عادية يوماً. كان يُحرّك شفتيه وهو يقرأ، بلا صوت، كمن يتذوق الكلمات قبل أن يبلعها.


وفي آخر العربة فتاة صغيرة ترتدي حقيبة كبيرة على ظهرها حتى وهي جالسة، تنظر إلى هاتفها بوجه لا يعبّر عن شيء — لا سعادة ولا حزن — ذلك الوجه المحايد الفارغ الذي يظهر حين يكون الجسد هنا والذهن في مكان آخر لا يعرفه أحد.


فكّر كمال: كم مرة كان هو تلك الفتاة؟


في المكتب، جلس أمام مكتبه الخشبي الصغير وحاول أن يعمل.


لكن اليد كانت تمتد إلى الجيب وحدها، بلا إذن، فتجد فراغاً فتعود خجلى. حدث هذا مرة. مرتين. سبع مرات في الساعة الأولى وحدها — عدّها.


زميله رضا، الذي يُكثر من شرب الشاي ويُقلّل من الكلام، لاحظه في المرة السادسة أو السابعة.

— ما بك؟

— هاتفي. نسيته.


نظر إليه رضا بتلك النظرة التي يُعطيها للأشخاص الذين يخبرونه بأمر فادح.


— طول النهار؟

— طول النهار.


صمت قصير. ثم أكمل رضا شرب شايه كأن الموضوع أكبر من أن يُعلَّق عليه.


الساعة الحادية عشرة كانت الأصعب. في العادة كان كمال يفتح الهاتف بين كل ورقة وورقة، لا لشيء بعينه، فقط ليفتحه. ليمرر إصبعه على الشاشة كمن يمسح غباراً وهمياً. أحياناً كان يفتحه ويغلقه دون أن يقرأ شيئاً، الفعل وحده كان يكفي — كالنقر على القلم أو العبث بالخاتم — عادة لا وظيفة لها إلا أنها موجودة.


اليوم لم يكن هناك ما يفتحه. فبقي مع أفكاره.

وكانت أفكاره أكثر ضجيجاً مما ظن.


في الظهيرة ذهب إلى مطعم الفول القريب.

طلب طبقه المعتاد: فول بزيت وليمون، بيضة مسلوقة، شاي بنعناع. جلس وحده عند الطاولة الضيقة بجوار الحائط.


في العادة كان يأكل وعيناه في الهاتف — يمرر، يقرأ، يضحك أحياناً دون أن يعرف لماذا، يضع الشوكة ويمسك الهاتف وينسى الأكل حتى يبرد. كان الطعام مجرد ملء للوقت بين منشور ومنشور.


اليوم وضع الخبز في الفول وأكل.


فقط أكل.


أدرك بعد اللقمة الأولى أن هذا الفول فيه شيء لم يلاحظه من قبل — حامض يكسر الدسامة، وتحته طعم دخاني خفيف من القدر القديم. البيضة كانت مطبوخة تماماً كما يجب، لا صلبة ولا طرية. الشاي جاء ساخناً حقاً وفيه نعناع طازج لا مجفف.


كل هذا كان موجوداً من قبل. لكنه لم يكن موجوداً بالنسبة له.


الرجل العجوز الذي يجلس دائماً عند الباب كان في مكانه، يشرب شايه ويراقب الشارع بعينين هادئتين كبحيرة في يوم بلا ريح. التفت إلى كمال وكأنه لاحظ شيئاً في طريقة جلوسه.


— تبدو مشغول البال.


— هاتفي، — قال كمال، وأدرك حين قالها كم تبدو الإجابة سخيفة. — نسيته في البيت.


أومأ الرجل ببطء، كمن يتلقى خبراً متوقعاً لا مفاجئاً.


— أبي، رحمه الله، عاش خمسة وسبعين سنة بلا هاتف. قال لي مرة: يا ابني، أنا لا أعرف كيف أضيّع وقتي لأنه لا يوجد من يضيّعه عني.


ضحك كمال. ضحكة قصيرة خرجت قبل أن يأذن لها.


أكمل فوله وهو ينظر إلى الشارع.


رأى امرأة تحمل طفلاً وكيساً ثقيلاً في آنٍ واحد بذراعين لا تكفيان إلا أنهما تكفيان. رأى قطة رمادية تشمّ حافة الرصيف بجدية تستحق الاحترام. رأى رجلاً يصلح دراجة قديمة على الرصيف ووجهه فيها كوجه جرّاح في غرفة العمليات.


كل هذا كان يحدث كل يوم.


وكل يوم لم يكن يراه.


في المساء، حين عاد إلى البيت، وجد الهاتف على الطاولة بجوار فنجان القهوة الذي نسيه أيضاً.


كانت هناك أربع عشرة رسالة. خمسة إشعارات. مكالمتان فائتتان — واحدة من زوجته، وواحدة من رقم لا يعرفه. فتح رسائل زوجته فوجدها تسأل إن كان سيتأخر للعشاء. لم يكن قد تأخر. لم يكن هناك شيء طارئ. لم يكن قد فاته شيء لا يمكن تعويضه.


مرّر. قرأ ما لا يستحق القراءة. أغلق تطبيقاً وفتح آخر.


ثم توقف.


وضع الهاتف على الطاولة، ونظر من النافذة.


الشارع كان هادئاً في ضوء المغرب الذهبي. قطة رمادية — ربما نفسها، ربما أخرى، كلهن متشابهات في كبريائهن — كانت تمشي على حافة السور بتلك الثقة المستفزة التي تمتلكها القطط وحدها وكأن الدنيا مصنوعة لها.


جلس كمال وتركها تمشي.


لم يلتقط لها صورة. لم يفكر في أن يلتقط لها صورة. فقط رآها، وكان هذا كافياً.


في اليوم التالي أخذ هاتفه معه كما هو معتاد.

لكنه نظر مرة واحدة إلى ساعة المحطة الكبيرة، الصفراء والفخورة.

ونظرت إليه... تحسس تلفونه بجيبه وابتسم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح