بطاقة اليانصيب ... !!! بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸

 بطاقة اليانصيب ... !!!


          بقلم  : زياد أبوصالح  / فلسطين 🇵🇸 


     في قريةٍ صغيرةٍ تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، نشأ خليل فتىً مهذّبًا ونجماً ساطعاً، يرفع الرأس بين أقرانه، مستقيم السيرة، حسن الخلق، متفوّقًا في دراسته، .كان الناس يرون فيه مشروع رجلٍ ناجح، وكان والداه يعلّقان عليه آمالًا كبيرة، إذ لم يكن مجتهدًا فحسب، بل كان أيضًا مثالًا للشاب الوقور الذي يعرف كيف يشقّ طريقه في الحياة.

     حين نجح في امتحان الثانوية العامة بتفوق ، دخلت الفرحة بيتهم المتواضع، وسجّل في إحدى الجامعات المحلية، وهو يحلم أن يكون أول من يحمل شهادة جامعية بين أبناء أسرته. لكن الأحلام لا تمشي دائمًا في الطرق التي نرسمها لها؛ فقد ضاقت الحال بأهله، وتعسّرت الظروف، فوجد نفسه مضطرًا إلى تأجيل دراسته مرةً بعد أخرى، حتى غدت الجامعة حلمًا مؤجّلًا لا أكثر.

ولأن الحاجة أقسى من الأمنيات، توجّه خليل إلى العمل داخل الأراضي المحتلة، يجمع المال بعرق جبينه، ويُمنّي نفسه بأن يعود يومًا إلى مقاعد الدراسة.

     غير أن طريقه لم يكن مستقيمًا كما بدأ؛ إذ تعلّقت نفسه شيئًا فشيئًا بأكشاك بيع بطاقات اليانصيب. في البداية، كانت المسألة مجرّد تجربة عابرة، ثم تحوّلت إلى عادة، ثم إلى شغفٍ أعمى، حتى صار يبدّد ما يجمعه من تعب الأيام في أوراقٍ ملوّنة، يشتري بها وهم الثراء السريع. وكان كلما خسر قال في نفسه: "لعلّ البطاقة القادمة تعوّض ما فات."

     لكن البطاقة القادمة كانت تبتلع أختها، والخسارة تجرّ خسارة، حتى صار أسيرًا لذلك الوهم الذي يلبس ثوب الأمل، ويُخفي في باطنه خرابًا صامتًا. ثم جاء اليوم الذي ابتسم له فيه الحظّ ابتسامةً خادعة. فاز خليل بمبلغٍ كبير من المال، آلاف الشواقل التي لم يكن يحلم أن تقع بين يديه بهذه السرعة.

     طار قلبه فرحًا، ورأى في تلك اللحظة أن الدنيا قد فتحت له أبوابها دفعةً واحدة، وأن ما تعذّر عليه طويلًا قد صار الآن قريب المنال. ولم يُرِد أن يبدّد المال كما بدّده من قبل، بل أقنع نفسه أنه سيبدأ بدايةً جديدة.

فاشترى عددًا من المركبات، وافتتح مكتبًا لتأجير السيارات، وعلّق على واجهته لافتة كبيرة كتب عليها: "بغداد لتأجير السيارات".

ومنذ الأيام الأولى، بدا المشروع واعدًا، وبدأ الناس يذكرون اسمه بإعجاب، وراح خليل يشعر أن الحياة أخيرًا ردّت له اعتباره.

     ازدادت ثقته بنفسه، فتزوّج من إحدى قريباته، وأقام حفلًا صاخبًا لم تعرفه القرية من قبل. ازدحمت الليلة بالأضواء، وغنت الفرق الموسيقية حتى الصباح ، وكثرت الولائم، وانطلقت الألعاب النارية، بل ودوّى الرصاص الحيّ في الهواء ابتهاجًا. كان المشهد كلّه يقول إن خليلًا قد صار رجلًا من أهل الوجاهة والمال، وإنه تجاوز أيام الفقر والتعب إلى غير رجعة.

     ومضت الأيام، فرُزق بالبنين والبنات، وعاش ظاهرًا حياةً مملوءةً بالحبّ والطمأنينة. صار يُدعى إلى المناسبات الاجتماعية، ويجلس في الصفوف الأولى، ويُشار إليه بين الناس بوصفه رجلًا ناجحًا صعد بسرعة، حتى خُيّل إليه أن ما ناله قد ثبت واستقرّ، وأنه بات في مأمنٍ من تقلّبات الدهر. غير أن البناء الذي يقوم على العجلة والوهم، كثيرًا ما ينهار من حيث يظنّ صاحبه أنه أصلب ما يكون.

    لكن الرياح  تأتي بما لا تشتهي السفن ، لم يمض عامان فقط من افتتاح المشروع، بدأت الشقوق تظهر في كل شيء. ساءت الإدارة، وكثرت المعارض المشابهة، وارتفعت الضرائب، وضاقت أحوال الناس المعيشية بسبب الحروب وما خلّفته من ضيقٍ وقهر.

تراجعت الحركة، وخفّت الإيرادات، وبدأت المركبات تستهلك ما تبقّى من مالٍ بدل أن تدرّ الربح المنتظر. حاول خليل أن يُنقذ مشروعه، لكن يديه كانتا تمسكان بالماء.

     مع كل شهرٍ يمضي، كانت الخسارة تكبر، حتى اضطر في النهاية إلى بيع المركبات بسعرٍ بخس، ثم أغلق المعرض إغلاقًا كاملًا.

وفي اللحظة التي أُنزل فيها المفتاح الأخير على باب المكتب، شعر كأن شيئًا في داخله قد أُغلق معه إلى الأبد. ولم يتوقّف الخراب عند المال وحده. فقد دبّ الخلاف بينه وبين زوجته، وكانت امرأةً تميل إلى الزهد والبساطة، ترى أن ما بُني على الإسراف والاندفاع لا بدّ أن ينتهي إلى الندم. اتّسعت الفجوة بينهما يومًا بعد يوم، حتى انتهى الأمر بالطلاق، وتفكّكت الأسرة التي ظنّ يومًا أنها ستكون سنده الأخير.

     تساقط كل شيءٍ من حوله دفعةً واحدة.

ضاعت الأموال، وتفرّق الحلم، ولم يبقَ في يده سوى مركبة واحدة، أنهكها الخراب كما أنهكته الحياة. ثم باعها هي الأخرى، بعدما كثرت أعطالها وصار إصلاحها عبئًا لا يطيقه.

وفي ما بعد، اضطر إلى شراء مركبة مشطوبة، يجرّ بها أيامه جَرًّا، ويقضي بها حاجاته على قدر ما يستطيع. وكثيرًا ما كان يُرى على قارعة الطريق، يشتري علب البنزين القليلة ليسدّ بها رمق مركبته العجوز، حين لا يجد في جيبه ما يكفي لتعبئتها من محطة الوقود.

     وكان أشدّ ما يكسره من الداخل، أنه كلما مرّ بالقرب من المعرض الذي أغلقه بيده، يرفع عينيه إلى اليافطة القديمة المعلّقة على المدخل، وقد علاها الغبار وبهتت حروفها، ثم يمدّ يده المرتجفة كأنما يودّع عمرًا مضى، ويقول بصوتٍ مبحوح: "سلامٌ عليكِ يا بغداد." لم يكن يسلّم على لافتةٍ جامدة،

بل كان يسلّم على حلمٍ خادع، وعلى أيامٍ ظنّها مجدًا فإذا هي امتحان، وعلى حياةٍ أضاعها حين صدّق أن القفز فوق سنن الحياة يمكن أن يصنع نجاحًا حقيقيًّا.

     وهكذا انتهت حكاية خليل نهايةً موجعة:

لم يُكمل دراسته الجامعية، وخسر ماله، وتفكّكت أسرته، وضاع أولاده بين شتات البيت ومرارة الفقد، وتبدّلت صورته في أعين الناس من رجلٍ يُشار إليه بالإعجاب إلى عبرةٍ تُروى بصمت. فما يأتي عن طريق القمار لا يحمل بركة، وما يُبنى على الوهم لا يصمد أمام الحقيقة، ومن يراهن على الحظّ ليختصر الطريق، قد يخسر الطريق كلّه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح