لم أُخلق عبثاً:...د. محمد شعوفي
لم أُخلق عبثاً:
ثمة لحظاتٌ تتوقف فيها الحياة عن ضجيجها فجأة، كأن الكون يُمسك أنفاسه ليهمس لك شيئاً لم تسمعه من قبل.
لحظاتٌ لا تجيء بالبحث ولا تُستدعى بالإرادة، بل تباغتك في منتصف يومٍ عادي أو في سكون ليلٍ ثقيل، فتجد نفسك وجهاً لوجه أمام سؤالٍ لا مفر منه ولا هروب:
لماذا أنا هنا؟
وهل لوجودي معنىً يستحق أن يُعاش؟
تأملتُ طويلاً في سجل الوجود، حيث تُنسَج الحكايات بخيوطٍ لا تُرى، وحيث لكل نبضةٍ غاية، ولكل سكونٍ معنىً لا يُدرك إلا بعد حين.
وليس ثمة سرٌّ أعمق من تلك اللحظة التي أرفع فيها بصري إلى السماء ليلاً، فأجدني وجهاً لوجه أمام عظمةٍ تخرس عندها الكلمات وتتضاءل أمامها كل الأسئلة.
هناك، حيث تتراقص النجوم على بساطٍ من ظلامٍ لا متناهٍ، وتتنفس المجرات في سكونٍ يليق بجلال الخالق وعظمة تدبيره، يتسلل إليّ في ذلك الصمت المهيب مهابةٌ ممزوجةٌ بدهشةٍ وامتنان.
تهمس لي بيقينٍ غامر لا يقبل الجدل:
أنني لم أُخلق صدفةً عابرة، ولم أكن يوماً ضيفاً ثقيلاً أو غير مدعوٍّ إلى مأدبة هذا الكون الهائل.
بل أرى نفسي كائناً فريداً، نسيجاً وحدي لا يشبهني أحد، نُقشت تفاصيله بإرادةٍ سرمديةٍ منزهةٍ عن العبث والمصادفة العمياء.
فلو لم يكن لوجودي موضعٌ محددٌ في هذه الخريطة الكونية الدقيقة، لما كنتُ هنا الآن أستنشق هذا الهواء كأمانةٍ مقدسة.
ولما كنتُ أُبصر هذا النور كإشارةٍ تدل عليّ لا على سواي، وأحمل في صدري أحلاماً تشبهني، وآلاماً تصقل جوهري وتختبر معدني وتكشف ما خُبّئ في أعماقي من كنوزٍ لم أعلم بها.
ومع ذلك، أعترف في لحظات الصدق المرّة التي لا يُجيد فيها الإنسان الكذب على نفسه، أنني أمرّ بتحدياتٍ تثقل كاهلي كجبالٍ جاثمة، وتتراكم فيها الهموم كموجٍ لا يهدأ ولا يرحم.
فأهمس في خلوتي متسائلاً: ألهذا الوجع خُلقتُ؟
هل حقاً وجودي ضروري في هذا النظام الكوني الشاسع الذي لا يبدو أنه يختل بغياب أحد؟
وهل يُعقل أن تكون آلامي الصغيرة تلك جزءاً من نسيجٍ أكبر مما تستطيع عيناي أن تريا؟
لكن صوتاً عميقاً ينبعث من أغوار الروح، كأنه إرث الحكمة المتوارث في دم الإنسان منذ فجر الخليقة، يهمس لي بما يشبه اليقين الذي لا يتزعزع:
إن الكون لا يبعثر كنوزه عبثاً.
ولا يضيق جمال هذا الوجود بإنسانٍ قرر أن يكون نفسه، لا نسخةً مكررة من صورٍ باهتة لا روح فيها، ولا صدىً خافتاً لأصواتٍ مستعارة لا تعبر عنه.
لقد أدركتُ، بعد رحلةٍ شاقةٍ من الشك والبحث والضياع والعودة إلى النفس، أن أعظم التحولات في تاريخ البشرية لم تبدأ من ضجيج الجموع ولا من صخب الميادين.
بل وُلدت خافتةً كنبضةٍ أولى في رحم الحياة، من فردٍ واحد آمن بفرادته وقرر أن يقف في وجه الظلم، أو أن يفكر خارج قوالب اليقين الميت، أو أن يزرع بذرة أملٍ في أرضٍ أجمع الكل على أنها قاحلة لا تُنبت.
تأمّل التاريخ الإنساني مليّاً:
كم من ثورةٍ كبرى بدأت بصوتٍ منفردٍ في ليلٍ لم يكن يعلم أنه سيُولد منه فجر؟
وكم من فكرةٍ غيّرت وجه العالم خرجت من عقلٍ كان وحيداً في سكون التأمل الطويل يُحدّث نفسه ولا يُحدّث أحداً؟
وكم من إنسانٍ بسيط ترك في قلبٍ واحدٍ أثراً لم تستطع جيوشٌ بأسرها أن تتركه؟
وإذ أعترف بأن نفسي، كطبيعة البشر جميعاً، كثيراً ما تميل إلى الاختباء في زحام الجماعات خشية التميز، وتنجذب إلى بريق هذا العالم الرقمي السريع الذي يعدك بكل شيءٍ ويمنحك لا شيء، فإن واجباً وجودياً يوقظني من غفلتي كلما هممتُ بالنوم على وسادة الاستسلام.
لا تُقلّد لتنجو.
ولا تُخفت صوتك لترضي من لا يستحق أن يسمعك أصلاً.
فالتفرد ليس ترفاً أدبياً يليق بالشعراء دون سواهم، بل هو جوهر القوة الحقيقية ومنبع الصدق الذي لا يُزوَّر ولا يُستعار.
حين أؤمن إيماناً راسخاً أن وجودي ليس عبثاً، وأن لديّ تجربةً وإحساساً لا يملكهما غيري، أتحرر من قيد الخوف الذي طالما سجنني في زنزانة التردد وأغلق عليّ بابها.
عندها لا أعود رقماً عابراً في إحصائياتٍ لا تعرف اسمي ولا تُفرّق بين حضوري وغيابي، بل أثراً فاعلاً وجزءاً لا يُستبدل في نسيج الحياة الممتد من الأمس إلى الغد.
وثمة ما يجب أن يُقال بصوتٍ عالٍ في هذا الزمن الذي اختُزلت فيه القيمة في بريق الأرقام وزيف الظهور وثقل الأوسمة الفارغة:
إن الإنسان الذي يترك أثراً في روح إنسانٍ آخر، يبقى حياً في تلك الروح بعد أن يرحل جسده إلى التراب.
المعلم الذي أيقظ عقلاً نائماً، والأم التي أطعمت قلباً جائعاً، والصديق الذي وقف في اللحظة الصعبة حين تخلى الجميع، والكاتب الذي كتب كلمةً وجدها قارئٌ في زاويةٍ بعيدة فشعر أنه أقل وحدة وأكثر قيمة، هؤلاء جميعاً تركوا من أنفسهم شيئاً لا تستطيع موجاتٌ رقمية ولا سنواتٌ متراكمة أن تمحوه.
فالإنسان الحقيقي لا يُقاس بما يملك، ولا بالمناصب التي يشغلها، ولا بالجوائز المعلقة على جدرانه، بل بما هو عليه في عمقه وحين لا يراه أحد:
صدقاً في الكلمة، ووعياً بالرسالة، وأثراً يبقى بعد الرحيل.
لذلك أدعوك وأدعو نفسي أولاً وقبل كل أحد، أن نعتنق ذواتنا بصدقٍ كاملٍ دون تزييفٍ أو مواربة أو خجلٍ مما نحن عليه.
كن أنت، بكل ما فيك من نورٍ وظل، من أملٍ وخوف، من حبٍّ يشبه الفجر في نقائه، ووجعٍ يشبه الغروب في شجنه وجماله المؤلم.
فالعالم لا يحتاج نسخةً أخرى من أحد، بل يحتاجك أنت كما أنت، بكل تناقضاتك وتحولاتك وأسرارك التي لا يعرفها سواك.
لا تنتظر إذناً من أحدٍ لتبدأ، ولا ترهبك وعورة الطريق، فربما كانت خطوتك المتعثرة اليوم هي شرارة النور لغدٍ بأكمله.
وتذكّر دائماً وأنت تمضي في دروب الحياة وتُثقل كاهلك همومها:
أنت لستَ هامشاً في هذا الكون، بل فصلٌ لا يكتمل الكتاب بدونه.
أنت ضرورةٌ يكتمل بها النظام، وفراغٌ لا يُملأ إن غبت.
أنت قادرٌ بما أودع الله فيك من سرٍّ لا يعلمه كاملاً إلا هو سبحانه.
وربما.. ربما أنت ذاك الذي كان العالم ينتظره منذ أمدٍ بعيد، ليحدث الفرق الذي لم يجرؤ أحدٌ قبلك على إحداثه.
فلا تنسَ ذلك أبداً.
ولا تُفرّط في أمانة وجودك.
فالوجود لم يدعُك إلى مأدبته ليظل كرسيّك فارغاً، ولم يُخلق فيك هذا السرّ ليبقى مدفوناً في أعماقك كجمرةٍ لا تجد من يُذكيها.
فالجمرة التي لا تُذكى لا تُدفئ أحداً، والبذرة التي لا تُزرع لا تُثمر شيئاً، والروح التي لا تُعطي تذبل في صمتها كوردةٍ لم تجد من يسقيها.
أما أنت، فقد أُودع فيك ما لم يُودَع في سواك، ومُنحتَ ما لم يُمنح لغيرك، لا لتحتفظ به وتُحصّنه خلف جدران الخوف والتردد، بل لتُخرجه إلى الضوء، فيضيء بك ما حولك قبل أن يضيء ما بداخل ك.
وحين يأتي اليوم الذي تقف فيه على عتبة الرحيل، وتلتفت خلفك لترى ما تركتَ، فلا يكن ما تراه مقاعدَ فارغة وكلماتٍ لم تُقَل وأحلاماً لم تُعَش.
بل ليكن ما تراه أرواحاً أيقظتَها، وقلوباً لمستَها، وطرقاً أنرتَها، وبذوراً زرعتَها في تربةٍ كانت قاحلة قبل أن تمرّ من هناك.
فهذا هو الميراث الحقيقي الذي لا تأكله السنون ولا يمحوه النسيان.
وهذا هو الدليل الأبدي والشاهد الأصدق على أنك كنت هنا.
وأنك لم تُخلق عبثاً.
ولن تذهب هدراً.
فأثرك في هذا الوجود أكبر مما تظن، وعطاؤك أبقى مما تحسب، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً ولو كان مثقال ذرة.
بقلم:
د. محمد شعوفي
30 أبريل 2026م
تعليقات
إرسال تعليق