أنا لستُ مرآة أحد: سكينة من رحم المعاناة. ..د. محمد شعوفي

 أنا لستُ مرآة أحد:

سكينة من رحم المعاناة. 


​أكتب هذه الكلمات وعيني مشدودة إلى ذلك الإنسان الذي كنته قبل سنوات؛ ذلك الذي كان يُنهك نفسه سعياً لأن يُرضي كل صوت حوله، ويلبي كل توقع، ويسكت كل نقد.

كنتُ أجري في اتجاهات متضاربة، وأُصغي لأصوات لا تعرفني، وأُهمل الصوت الوحيد الذي يملك حق الكلام عني: صوتي الداخلي. 

وما بين تلك اللحظة ولحظتي هذه، مررتُ برحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية.

ثمة معارف في حياة الإنسان لا تمنحها بطون الكتب، ولا تصنعها القوالب الجاهزة للنصائح، بل تولد من رحم المعاناة، وتصقلها الجراح، وتنضج على مهلٍ في أتون الأسئلة الوجودية الكبرى التي يحملها المرء في ترحاله الطويل.

الوعي الحقيقي لا يأتينا بغتة، بل هو ثمرة ارتحال دائم بين الشك واليقين، وهجرة مستمرة من ضجيج الخارج الصاخب إلى سكون الداخل العميق.

​لا أكتب هذه الكلمات بوصفها ترفاً فكرياً، أو تأملاً عابراً وُلد في لحظة باردة.

إن ما أخطّه هنا قد خُطّ قبل ذلك على جدار روحي، ونزف مع كل مسافة قطعتها بين صوت الناس وصوتي الداخلي.

إنه خلاصة ما علّمتني إياه الأيام حين صمت الجميع، وما كشفتْه الجراح حين سقطت الأقنعة الزائفة، لتتركني وجهاً لوجه أمام حقيقتي دون تحسينات .

​في زحمة هذا الوجود الممتد، تتقاطع مع دروبنا أصوات لا حصر لها، تحاول أن تمارس علينا شتى أنواع الوصاية.

بعضها يحمل نصيحة مشفقة، وبعضها ينضح بلوم مبطن، وكثير منها يصدر أحكاماً قاطعة من زوايا ضيقة، لا ترى من حقيقتنا الممتدة إلا قشرتها السطحية الظاهرة.

ومع تقادم العمر وتراكم العبر، أدركتُ يقيناً أن السكينة غاية لا تُنال بالركض خلف استرضاء الآخرين.

فالبشر يختلفون في الرؤى، وتتبدل مقاييسهم بتبدل أمزجتهم ومخاوفهم وتصوراتهم القاصرة.

أما السلام الحقيقي، فلا يولد إلا في تلك اللحظة التي ننصت فيها بخشوع لذلك الصوت العميق الخفي الذي يسكن في دخيلتنا؛ ذلك النداء الرباني الهادئ الذي لا يعلو صخباً، ولكنه أبداً لا يخون.

​ومهما بلغ الإنسان من اجتهاد، أو التزام، أو حسن نية، سيبقى في نظر البعض غرضاً للنقد ومرمى للسهام.

وهذه حقيقة قد تبدو صادمة وموجعة في بدايتها، لكنها في جوهرها تحمل بذور التحرر والانعتاق.

فقد سِرتُ يوماً في تلك المسالك، وأدركتُ أنني كنت _أعيش رهيناً لمحابس أحكام الآخرين، حيث أرهقتُ نفسي، واستنزفتُ روحي في استرضاء كل صوت خارجي، متكلفاً الظهور بمظهر المقبول في كل العيون.

حتى كادت ملامح وجهي الحقيقية أن تتوارى خلف غبار التملق، وخفت ذلك النداء الأصيل الذي رافقني منذ بواكير وعيي.

​كان النقد يهطل عليّ كرياح خريفية عاتية.

تارة يأتيني في هيئة نصيحة يغلفها الاهتمام المصطنع، وتارة في صورة لوم مباشر يجرح ولا يُصلح، وتارة أخرى في شكل صمت ثقيل مريب، يحمل في طياته استنكاراً لم يُنطق به.

حتى وقفتُ يوماً أمام مرآة ضميري، وجردت من نفسي محاسباً، وسألتها بصدق وعمق:

إلى متى سأعيش رهينة لهذه الضجة العابرة؟

وهل خُلقتُ لأكون مجرد انعكاس باهت لرغبات الآخرين وإملاءاتهم؟

أم أن لي طريقاً خاصاً، ممهداً بالتمايز، لا يعرف كنهه أحد سواي وخالقي؟

​هنالك، وعند تلك النقطة الفاصلة، بدأت رحلتي الحقيقية نحو النور.

لقد أيقنتُ أن النقد، مهما علا صوته واشتد صخبه، لا يمكنه أن يدرك نبض القلب كما يعرفه صاحبه، ولا يملك القدرة على قياس الأثقال والأشجان التي ينوء بها الإنسان في خلوته.

ولا يرى الأحلام الغضة التي تنمو في صمت، ولا يسمع تلك المناجيات الخفية التي تدور بين الروح وباريها.

فالناس ينظرون إلى تفاصيلنا من نوافذهم الخاصة والضيقة، أما الإنسان فيكابد تفاصيل حياته كاملة بمرها وحلوها.

إنه يعيش انكساراته، وهزائمه، وأسئلته، ومخاوفه، وأفراحه.

ولهذا، نفضت عني غبار التردد وقلت لنفسي بملء اليقين:

سأمشي في الطريق الذي يرتضيه ضميري ويقره ديني، وسأصغي بكل جوارحي إلى ذلك الحدس الذي صقلته التجارب وهذّبته الأيام.

​وليس مرادي هنا حدس الهوى العابر, ولا اندفاعات الرغبة النفسية المؤقتة.

بل أعني ذلك الحدس النقي الذي مر عبر نار التجارب القاسية فصُفي، وتطهر بالمراجعة الدائمة، واستضاء بنور الصلاة والدعاء، ونضج على نار التأمل الهادئ.

ذلك الحدس الذي ينقلب همساً شفيفاً للروح، لا صخباً زائفاً للنفس الأمارة.

ومنذ أن اتخذت قراري بالإصغاء إليه، تنزلت على قلبي سكينة لم أذقها طوال سنوات المحاولة البائسة لإرضاء الجميع.

لقد تحررت اختياراتي من قيود الخوف، واتسعت رؤيتي 1الفكرية، وانطلق قلمي وإبداعي من عقالهما، واقتربتُ خطوة واسعة نحو تلك الذات الأصيلة التي خُلقت لتكون ذاتها، لا نسخة مكررة أو مسخاً مشوهاً من أحد.

​لقد علمتني هذه الرحلة الطويلة أن الحياة أقصر من أن نبعثرها في مطاردة سراب الرضا الشامل الذي لا يتحقق، وأثمن من أن نقضي أيامها نعيش أعماراً كتب الآخرون خطوطها لنا، بينما قلوبنا تئن شوقاً، وتنادي باسم طريق آخر مباين.

فليقل الناس بعد ذلك ما شاؤوا، وليعبروا عن رؤاهم وانطباعاتهم كما يريدون.

أما أنا، فسأظل وفيّاً ومستمسكاً بما أؤمن به، ما دام الحق سبحانه شاهداً عليه، والضمير مستقراً مطمئناً إليه.

فالندم الحقيقي والقاتل لا يأتي من لوم الناس أو عذلهم، بل ينبت في نفس المرء حين يكتشف متأخراً أنه عاش حياة لا تشبهه، وسار مجبراً في طرق لم تخترها روحه يوماً.

​واليوم، وأنا أنظر إلى الوراء بعد كل ما مررت به، لم تعد تجاربي ومكابداتي مجرد ذكريات عابرة تطويها الأيام.

لقد تحولت إلى جزء أصيل من بوصلتي الموجهة، وصار الألم معلماً يهديني، وغدت الأسئلة مصابيح تضيء عتمة الحيرة، وتحول الصمت إلى مساحة رحبة ومقدسة أستمع فيها إلى صوت نفسي بوضوح جلي.

​وفي ختام هذه الرحلة التي لا تزال تسير، أوجّه دعوة صادقة لنفسي أولاً وللإنسان ثانياً:

ألا نبالغ في الخوف من النقد حتى لا نفقد ذواتنا وأصالتنا في زحام التبعية.

وألا ننساق خلف عواطف القلب المطلقة حتى لا نُسلمه لموارد الهوى والهلاك.

بل الواجب هو البحث الدؤوب عن ذلك التوازن العبقري والعميق بين صوت الضمير الحي، ونور الإيمان المستقر، وحكمة التجربة المصقولة.

فالحدس الصادق أمانة غالية بين الإنسان وربه، والطمأنينة الحقيقية هي أن تمضي في الدرب الذي تشعر روحك في أعماقها أنه دربها الصحيح.

وحين يصل الإنسان إلى هذا اليقين، لا يعود النقد عدواً يُرهبه، بل يغدو مرآة ينظر إليها من بُعد، يأخذ منها ما ينفع ويدع ما يُضر، دون أن يفقد في تلك المرآة ملامح وجهي الحقيقي.

لتكن قلوبنا بوصلتنا الهادية.

ولتكن تجاربنا نوراً يبدد الظلمات.

وليكن الصدق مع الذات، بلا مواربة، هو خطوتنا الأولى والراسخة نحو سلام لا تهزه عواصف الآخرين، ولا تُزعزعه أحكام العابرين.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

20 مايو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح